Skip to main content
مقال

الأزمة المالية والأسواق الناشئة

و


شرح مناقشة الفصل

لقد وصلت تلك الأسواق الناشئة إلى مرحلة من النمو المتميز في هذا العقد، شأنها شأن الاقتصاديات الصناعية المتقدمة. وهذا خلق نوعًا جديدًا من الحس العام بأن هذه الأسواق الناشئة باتت تتحكم في مصيرها و”انفصلت” عن الدورات التجارية في الدول الصناعية. وانطلاقَا من هذه الرؤية، بدت الأسواق الناشئة تتجنب التأثر بالأزمة الرئيسية الثانوية. ولكن هناك الآن مخاوف متزايدة من أن هذه الاقتصاديات، والتي بالفعل قد تعاني من صدمات أسعار النفط والمواد الغذائية ، قد تتعثر في حال تفاقم الأزمة المالية التي تدفع الولايات المتحدة إلى ركود عميق وطويل الأمد. وبعبارة أخرى ، فإن الأسواق الناشئة قد لا تزال صاعدة على أذيال البلدان الصناعية.

ولكن ما مدى صحة هذه الآراء حول عملية الفصل؟ والإجابة تحتوي على عدة معان متضمنة ليس فقط بالنسبة للأسواق الناشئة ولكن أيضَا بالنسبة للنمو العالمي بما أن هذه الاقتصاديات قد أصبحت الآن ذات دور أساسي في الساحة الاقتصادية العالمية. إن الأبحاث الجديدة التي أنهيناها للتو (بالتعاون مع كريستوفر اوتروك من جامعة فيرجينيا) تكشف عن بعض الإجابات المذهلة عن هذا السؤال. وتبين أن المسألة تحتوي على أبعاد أكثر مما ورد في المناقشة الشائعة.

وبدايةَ، لماذا توجد مثل هذه المناقشة الحامية حول مسألة الفصل؟ على كل ، إن الاقتصاديات في جميع أنحاء العالم أصبحت

مترابطة أكثر من خلال زيادة تدفق البضائع والأموال عبر الحدود الوطنية. ولذا، ألا ينبغي بذلك أن يجعل كل الاقتصاديات

ترتبط ارتباطًا وثيقَا معًا وتصبح أكثر اعتمادًا على بعضها البعض في الثروات الاقتصادية؟ الإجابة بلى، ولكن في الوقت نفسه قد أصبحت اقتصاديات السوق الناشئة أكبر بكثير، كما باتت تعتمد على نفسها أكثر من ذي قبل. وكمجموعة، فقد استأثرت بأكثر من نصف النمو العالمي خلال هذا العقد. وحتى الآن ، لم تبال هذه الاقتصاديات بآثار الأزمة المالية، وعلى الرغم من أن زخم نموها قد تراجع لأن الدول الصناعية تستوعب كمية أقل من صادراتها، فإنها ما زالت تنمو بسرعة.

وهذا يثير قضيتين في غاية الأهمية. أولا، ما الدليل على ما إذا كانت الدورات التجارية في جميع أنحاء العالم أصبحت أكثر ترابطا بصورة وثيقة أم لا؟ تبين لنا بعد البحث في واقع الأمر أن الدورات التجارية أصبحت أكثر ارتباطا بصورة وثيقة فيما بين البلدان الصناعية والأسواق الناشئة. ومع ذلك وبشكل ملحوظ، ثمة فصل عام للدورات التجارية المشتركة بين هاتين المجموعتين. وهذا يشير إلى أن الأسواق الناشئة ثابتة على قدميها إلى حد أكبر من ذي قبل، حتى أن عددًا كبيرا منها لم يتأثر مع عدم الاعتماد على الصادرات إلى الدول الصناعية. والزيادة الهائلة في تدفق السلع والأموال بين الأسواق الناشئة نفسها (وليس فقط بينها وبين البلدان الصناعية) قد جعلت اقتصادها أكثر اعتمادا على بعضها البعض. على سبيل المثال ، نحو خُمسَيْ إجمالي التدفقات التجارية من الأسواق الناشئة أصبح الآن يندرج في قسم التجارة مع الأسواق الناشئة الأخرى ، وهو ما يوازي ضعف النسبة من قرابة عقدين من الزمان.

في الواقع، وفي ظل الانقلاب المفاجئ للثروات، فإن استمرار النمو القوي في الأسواق الناشئة قد يساعد في تحريك الاقتصاديات الصناعية للخروج من حالة الضيق. وثمة تزايد في الإقبال على البضائع المستوردة من الأسواق الناشئة مثل الصين والهند، كما أن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي آخذة في الزيادة مع مرور الوقت.

وهناك مسألة ثانية تتعلق بالتمييز بين الفصل الحقيقي والفصل المالي. ويقول كثير من المراقبين إن فرضية الفصل تعد وبوضوح فرضية خاطئة. فعلى كلٍ، توجد تقلبات هائلة في الأسواق المالية الخاصة بالدول الكبرى تؤثر على الفور على الأسواق في بلدان أخرى أيضًا. وذلك يتضح أكثر في العلاقة المتزايدة لتقلبات سوق الأوراق المالية في أنحاء العالم. وهناك انخفاض حاد في بورصة شانغهاى الآن يؤثر على سوق الأوراق المالية في الولايات المتحدة. ومن الواضح أن الأحداث الجائحة في وول ستريت تعكر صفو الأسواق المالية في جميع أنحاء العالم.

والسؤال الكبير هنا هو ما إذا كانت تلك التداعيات المالية تؤثر على المتغيرات الاقتصادية “الحقيقية” مثل الناتج المحلي الإجمالي، والاستثمار، والاستهلاك المنزلي. وهنا الإجابة تعد أقل وضوحًا. فعلى الأقل حتى الآن، يبدو أن هناك انفصام بين المتغيرات الحقيقية والمالية في الأسواق الناشئة. فأسواق الأوراق المالية قد أصيبت بالاضطرابات في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ارتفاع معدل التضخم في جميع أنحاء العالم بسبب صدمات أسعار المواد الغذائية والنفط، في حين أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يزال يتزايد بشكل معقول في الأسواق الناشئة الأساسية.

ولكن كيف يمكن حدوث ذلك؟ وأحد الاحتمالات هو أن الأسواق الناشئة قد أسست ما يكفي من قوة دفع تكفي إلى تحقيق مزيد من التقدم، ما دام ليس هناك انهيار في الطلب في جميع أنحاء العالم. ولكن انتشار الكساد في أسعار الإسكان في الولايات المتحدة بالنسبة لدول مثل الصين لا يبشر بالخير.

وهناك احتمال آخر وهو أن الأسواق المالية في هذه البلدان لا تزال صغيرة نسبيًا، ومنفصلة عن الاقتصاد الحقيقي. ومع ذلك فإن الوجه الآخر لهذا النقاش هو أن أنظمتها المالية قد لا تكون قوية بما يكفي لاستيعاب مزيد من هذه الاقتصاديات في حال تعرضت لصدمات سلبية أخرى. وهنا يمكن أن تلوح مشكلة.

الأمر الوحيد الواضح هو أن هيكل الاقتصاد العالمي آخذ في التغير بشكل كبير ويعقب هذا التغير آثار يصعب التنبؤ بها. فالماضي ربما لم يعد دليلاَ جيدًا على المستقبل كما أمسى خطيرًا الاعتماد كثيرا على الحكمة القديمة- إما جديد أو حديث-.
________________________________________

ملاحظة للمحرر: قام هذا التعليق على أساس بحث خاص بصندوق النقد الدولي بعنوان “دورات الأعمال العالمية : التقارب أو الفصل؟” نسخة منقحة من هذه المادة ، سوف تظهر في VoxEU.

المزيد

Get daily updates from Brookings