Skip to main content
Smoke and flames are seen following an Israeli air strike on a building, amid a flare-up of Israeli-Palestinian fighting, in Gaza City May 18, 2021. REUTERS/Mohammed Salem
مقال

اضطرابات القدس تكشف هشاشة السيادة الإسرائيلية على الفلسطينيين

ملاحظة المحرر:

يقول عمر عبدالرحمن إنه فيما يعتقد القادة الإسرائيليون أنّ قمعهم للفلسطينيين أمر مستدام، يبيّن الاضطراب في القدس وتصعيده خارج حدود المدينة أنّه ليس كذلك. نُشرت هذه المقالة أصلاً على The National Interest.

في ديسمبر 2017، منح دونالد ترامب اعترافاً أمريكياً بادّعاءات إسرائيل بأنّ لها سيادةً حصرية على القدس. فشكّل ذلك نقطة ذروة في جهد بذلته إسرائيل على مدى عقود، بدءاً من العام 1967، لجعل المدينة “عاصمتها الموحَّدة والأبدية”. لكن للفلسطينيين الذين يشكّلون أربعين في المئة من سكّان المدينة والذين سحقهم ثقل هذا الجهد، فليس لديهم سوى الإحباط مع النكران ومصادرة الأراضي اللذين يرافقانه.

في الأسابيع الأخيرة الماضية، انتشرت الاضطرابات في أرجاء القدس. فما بدأ كاحتجاجات ليلية يقيمها شبّان فلسطينيون في مواجهة القمع العنيف الذي تمارسه قوى الأمن الإسرائيلية شارف الآن على الانتشار في أرجاء البلاد كافة. فشكّل ذلك تذكيراً واضحاً بأن لا معنى لمفاهيم السيادة عندما يفتقر الكثيرون إلى حقوقهم الأساسية، وهو يرمز أيضاً إلى واقع الدولة الواحدة التي تنشأ في المنطقة الإسرائيلية الفلسطينية.

ويوم الإثنين، وفي مشاهد مروّعة تذكّر بأولى أيام الانتفاضة الثانية، داهمت القوى الأمنية الإسرائيلية الحرم الشريف، المكان الأقدس في المدينة للمسلمين واليهود، ففرّقت الآلاف من المصلّين المسلمين وحجزت بعضهم داخل مسجد الأقصى بينما أطلقت الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص المغلّف بالمطّاط، فأصيب المئات بجروح.

وعلى مدى الأيام القليلة الماضية، اندلعت تظاهرات واسعة في المدن في أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلّة وداخل إسرائيل، حيث أظهر المواطنون العرب في إسرائيل عروضاً غير معهودة من القومية الفلسطينية. وقد نُشر الآلاف من الجنود الإسرائيليين الإضافيين في الضفّة الغربية تحسّباً لتفاقم الأوضاع. وأصبحت غزّة عرضة لقصف جوّي ضخم بعد أن بدأت المجموعات المقاتلة بإطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، وقد وصل بعضها إلى أطراف القدس وأسفر عن قتل ثلاثة أشخاص. في المقابل، دمّرت الضربات الجوّية الإسرائيلية على غزة مبنى بأسره مؤلّفاً من 15 طابقاً وضرّرت مبانيَ أخرى، مما أدّى إلى مقتل 28 شخصاً من بينهم 10 أطفال.

تتعدّد أسباب هذه الاضطرابات الأخيرة وتتكدّس طبقةً تلو الأخرى، وما جرى في الأسابيع الثلاثة الماضية هو الطبقة الخارجية. ففي 13 أبريل، في بداية شهر رمضان، قرّرت بلدية القدس أن تُغلق مدخل باب العامود، وهو من المواقع المفتوحة القليلة التي يستطيع فيها الفلسطينيون المقدسيون التجمّع وهو أيضاً موقع لقاء شعبي للشباب الذين يرغبون في الاختلاط بعد يوم صوم طويل.

وفي تحدٍّ للقيود العشوائية، تجمّع المئات من الشبّان الفلسطينيين عند باب العامود. فردّت الشرطة وقوى الأمن الإسرائيلية بعنف، مستخدمة إجراءات مكافحة الشغب ولاجئة إلى الضرب والاعتقالات. ومع تكرّر الاحتجاجات والقمع ليلة تلو الأخرى، انضمّ آخرون إلى الأحداث، من ضمنهم مواطنون فلسطينيون في إسرائيل ومجموعات يهودية يمينية متشدّدة وسياسيون يأملون بتأجيج نيران التوتّر الإثني والديني. وفي 22 أبريل، حشدت مجموعة عنصرية يهودية تدعى لاهافا عدداً كبيراً من الشبّان اليهود اليمينيين الذين ساروا في الشوارع مردّدين عبارتَي “الموت للعرب” و”احرقوا قراهم” ومعتدين على الفلسطينيين الضعفاء. أخيراً، في 25 يناير، قرّرت السطات نزع العوائق عند باب العامود، ممّا أعطى المحتجّين الشباب طعم الفوز.

وفيما خمدت التظاهرات هناك ربّما، كانت عدّة عائلات فلسطينية في مكان آخر من القدس تواجه طرداً تعسّفياً وشيكاً من منازلها في حي الشيخ جرّاح. فطوال عقود، كانت العائلات الفلسطينية التي وطّنتها الأمم المتّحدة والحكومة الأردنية في الخمسينيّات، بعد أن فقدت منازلها داخل ما غدا إسرائيل في حرب العام 1948، نصب أعين المجموعات المستوطِنة التي تسعى إلى تهجيرها. وبموجب إطار قانوني إسرائيلي تمييزي مصمَّم لتسهيل تهجير الفلسطينيين، بدأت المحاكم بإصدار أوامر بـ”طرد” العائلات في العقد الأول من الألفية الثانية. وهذا الأسبوع، كانت ستّ عائلات تتوقّع أن تنفّذ المحكمة العليا الإسرائيلية هذه الأوامر بحقّهم.

يشكّل حي الشيخ جراح عنصراً دائماً في العمل الناشطي المحلّي في القدس منذ سنوات، ويحظى من حين إلى آخر باهتمام خارجي. لكن هذه المرّة، سمح تزامن الأحداث حول باب العامود وشهر رمضان وقرار المحكمة الوشيك لعائلات الشيخ جراح بالاستفادة من الوضع عبر إقامة فعاليات ونشاطات خارج منازلهم لاستقطاب الداعمين. فاحتشد كل ليلة المئات للتعبير عن دعمهم ومنعت الشرطة الإسرائيلية الكثير غيرهم من الانضمام. ومرّة أخرى، قمعت القوى الأمنية التجمّعات بعنف شديد، فأطلقت القنابل الصوتية ورشّت المحتجيّن بـ”ماء الظربان” وانقضّت على الحشود على صهوة الحصان.

وقد حاولت الحكومة الإسرائيلية تصوير المسألة على أنّها “نزاع على عقارات” تسري مجرياته في المحاكم. لكن في الجوهر، تطبّق إسرائيل نظام قوانينها الخاص في القدس الشرقية بشكل مخالف للقانون الدولي، إذ تُعتبر هذه المنطقة أراضيَ محتلّة. والدولة الإسرائيلية بارعة في الخطط الطويلة الأمد، فتنتقل من منزل إلى آخر ومن عائلة إلى أخرى وتطردها. فإن واجهت معارضة قوية اليوم، يمكنها الانتظار أسبوعاً أو شهراً أو سنة إلى أن تهدأ الأوضاع ثم تستأنف عملها.

في 10 مايو، أي اليوم الذي كان من المتوقّع فيه أن تصدر المحكمة العليا حكمها بشأن عمليات الطرد، تدخّل المدّعي العام الإسرائيلي وطلب تأجيلاً يصل إلى ثلاثين يوماً بينما يراجع القضية، في ما كان على الأرجح محاولة لتنفيس احتقان الاحتجاجات.

ولكن على مستوى أعمق، تصبح السياسة الأوسع للهندسة الديمغرافية في القدس جليّة. فمنذ احتلال الجزء الشرقي من المدينة في العام 1967، لجأت السلطات الإسرائيلية إلى تخطيط مدني يعتمد على نظرة إثنية قومية لتبرير مزاعمها بالسيادة الحصرية على القدس برمّتها. فتبعاً لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتسيلم، إسرائيل “تطبّق سياسة منهجيّة غايتها ترحيل [الفلسطينيين]” عن القدس عبر اعتماد سياسات تشمل استملاك الأملاك الخاصة وفرض حدود على رخص الفرز والبناء وتدمير المنازل والتهجير القسري وتجريد قرابة 15 ألف فلسطيني من وضع إقامتهم. كذلك، يدفع القاطنون الفلسطينيون الضرائب في المدينة من دون تلقّي استثمارات ملائمة في مجتمعاتهم.

واليوم، لم يفرز سوى 8,5 في المئة من القدس للاستخدام السكني الفلسطيني، مع أنّ الفلسطينيين يشكّلون 40 في المئة من عدد السكّان. والكثافة السكّانية في الأحياء الفلسطينية تقارب ضعفَي الأحياء اليهودية. ولا يحظى سوى نصف السكّان بقدرة وصول شرعية لشبكة المياه ويعيش ثلاثة أرباع الفلسطينيين المقيمين في القدس ما دون خطّ الفقر.

في الوقت عينه، قاطنو القدس معزولون عن أبناء بلادهم في الضفّة الغربية وغيرها من المناطق الذين يُحظّر عليهم الوصول إلى المدينة من خلال سلسلة من حواجز التفتيش والمستوطنات وجدار فاصل ونظام أذونات.

على الرغم من ذلك كلّه، لم تتمكّن إسرائيل من كبح نموّ السكّان الفلسطينيين في القدس. بيد أنّها نجحت في إنشاء أحياء فقيرة مكتظّة تفتقر إلى الوظائف والبنى التحتية. فالقدس اليوم مدينة عدم مساواة وتمييز وإجحاف الشديد، مما يجعلها أيضاً منبعاً للحقد والإحباط والغضب.

لذا من غير المفاجئ أنّ إجراءً اعتباطياً على غرار إغلاق مساحة عامة أو تركيب كاشفات معادن في مسجد الأقصى، كما حصل في العام 2017، يمكنه إطلاق موجة من الاحتجاج الشعبي أو يجعلها تنتشر بسرعة في أرجاء البلاد.

وكما هو الحال مع القدس، تحكم إسرائيل قبضتها بشكل متزايد في الضفة الغربية في محاولة منها لبسط سيادتها على الأراضي من خلال الضمّ. وفي حال نجحت في ذلك، فهذا يعني حرمان ملايين الفلسطينيين من حقّ التصويت بشكل دائم. ودفع هذا الأمر بمنظّمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والدولية، ومؤخراً منظّمة هيومن رايتس ووتش، أن تضمّ الصوت إلى الفلسطينيين في الإعلان أنّ إسرائيل تطبّق سياسة فصل عنصري. وفيما يعتقد القادة الإسرائيليون أنّ هذا النظام وقمع الفلسطينيين المرافق له أمران مستدامان، يبيّن الاضطراب في القدس وتصعيده بشكل يتخطّى حدود المدينة أنّهما ليسا مستدامين. فلا يمكن حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية إلى ما لا نهاية من دون التسبّب بصراع دائم.

وفي العمق، نجد استمرارية تجريد الفلسطينيين من أملاكهم عبر الزمان والمكان، على امتداد فترة تفوق القرن من الزمن وفي أرجاء فلسطين التاريخية. ولا تقتصر المسألة على تجريد من المنازل والأراضي فحسب، بل من المساحات العامة أيضاً، على غرار باب العامود، ومن إحساسٍ بملكية أماكن تمثّل الهوية الثقافة لشعب ما. ولهذا السبب تبقى القدس، مركز العالم السياسي والروحي للفلسطينيين والإسرائيليين، منطقةَ اضطراب شديد.

من غير الواضح كيف سيتطوّر هذا الاحتدام الحالي. فشهر رمضان ينتهي هذا الأسبوع، وبالتالي قد تتلاشى النيران أو يمكنها أن تستمرّ. فالإحباط شديدٌ والأرض جاهزة للاشتعال. وفي 15 مايو، يحيي الفلسطينيون أينما كانوا ذكرى يوم النكبة، الذي كان اللحظة المحدِّدة لتجريدهم الجماعي من ملكياتهم في العام 1948. وفي المناخ الحالي، الذي تظهر فيه كلّ أنواع التجريد بشكل واضح وعلني، لا يمكن التكهّن بما قد يحصل.

Get daily updates from Brookings