Skip to main content
علني

نزاع الجهاديين: هل تتغلب الدولة الإسلامية على تنظيم القاعدة؟

في غضون سنوات قليلة، نمت الدولة الإسلامية لتتحول إلى المجموعة الإرهابية الأكثر رعباً في الشرق الأوسط. في حديث له مع الصحيفة الألمانية ” دير شبيغل “، تحدث تشارلز ليستر عن تعاظم الدولة الإسلامية في دولتي العراق وسوريا وعما يمكن القيام به لوقفه.

دير شبيغل: كيف تفسر تاريخ الدولة الإسلامية للأشخاص الذي تفاجأوا بصعودها المفاجئ نوعاً ما إلى السلطة؟

ليستر: في العام 1999، أسس الأب الروحي للدولة الإسلامية أبو مصعب الزرقاوي قاعدة تدريب لجماعته في أفغانستان. بعد أن اجتاحت الولايات المتحدة أفغانستان في أواخر العام 2001، فرّت المجموعة عبر إيران وانتهى بها الأمر في شمال العراق. مع حلول العام 2003، تحولت هذه المجموعة إلى أبرز تيارات المقاومة الجهادية العراقية. وأثناء الاحتلال الأمريكي للعراق، صنع الزرقاوي اسماً لنفسه ولمجموعته. طبّقت المجموعة الشريعة إلى حدّ التطرّف ممل دفع مختلف القوى العشائرية إلى طردها خارجاً في ما عُرف بالصحوة. و تكبدت المجموعة خسائر فادحة حينها. مثّل بدء الولايات المتحدة بانسحابها بداية الفرصة لإعادة إحياء مجموعة الزرقاوي. ومنذ حوالى منتصف العام 2009 ، بدأت المجموعة تبني نوعاً من النفوذ الخفي. إذ شنت سلسلة من الهجمات على مستويات متصاعدة ضد القوات الأمنية، وحملة تخويف ضدّ المسؤولين المحليين – ضمن السلك العسكري، الشرطة والحكومات المحلية – وحملة عنفٍ متطرفة. حققت الدولة الإسلامية بفضل هذه الحملة نفوذاً كبيراً. وقد ساهمت هذه الحملة أيضاً في شرح الأسباب التي مكنت الدولة الإسلامية من السيطرة سريعاً على الموصل.

دير شبيغل: قلت سابقاً أن الدولة الإسلامية نجحت في إنجاز كل ما سبق أن أنجزه تنظيم القاعدة، ولكن بشكلٍ أفضل، باستثناء تنفيذ هجمات خارجية. ما أوجه الخلاف بين المجموعتين؟

ليستر: كلاهما يسعى إلى إنشاء دولة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية، ولكن لكلّ منهما استراتيجية مختلفة جداً عن الأخر. تبنى تنظيم القاعدة نهجاً أكثر صبراً وعلى أمد أطول لتحقيق السيطرة والسلطة الاجتماعية، وركّز على إنشاء ظروف اجتماعية–سياسية لهكذا واقعً. أما الدولة الإسلامية، فتبدو أقلّ صبراً في ما يتعلق بهذا الهدف. في أواسط السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين وحالياً، سعت الدولة الإسلامية دائماً ومباشرةً إلى تطبيق حكم الشريعة وإلى السيطرة على الشعب مباشرةً بعد الاستيلاء على الأرض. تُقدّم سوريا أفضل مقارنة على المستوى الاستراتيجي. تمتلك جبهة النصرة، المجموعة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، نفوذاً كبيراً عبر البلاد على الصعيد الاجتماعي، إلا أنها لم تختار تطبيق الشريعة مباشرةً حتى الفترة الأخيرة لأنها شعرت أن الظروف الاجتماعية لم تكن مواتية وأنه من الممكن أن يرفضها الناس في حال تمّ فرضها في وقت قريب جداً. لذلك، فضّلت المجموعة المدى الطويل.

دير شبيغل: هل تقول إنّ تنظيم القاعدة هو بشكلٍ أو بآخر أقل تطرفاً من الدولة الإسلامية؟

ليستر: بالتأكيد. اعتمد تنظيم القاعدة سلوكاً معتدلاً نسبياً في سوريا – على الأقل بالمقارنة مع الدولة الإسلامية. بدأ الأمر يتغير، مع إدراك جبهة النصرة بوجود بيئة أكثر عدائية في سوريا. بدأت تفرض أحكام الشريعة في القرى والبلدات في شمال غرب محافظة إدلب، في تطورٍ لم يلق استحسان المحليين. وقد جاء هذا التحرك من شعورٍ داخل صفوف جبهة النصرة بضرورة السيطرة بشكلٍ مطلق على الأراضي.

دير شبيغل: هل ثمة خوفٍ من انشقاق مقاتلي الجبهة وانضمامهم إلى الدولة الإسلامية؟

ليستر: نعم. شكّلت المكاسب الاستثنائية التي حققتها الدولة الإسلامية في العراق والآن في سوريا تهديداً كبيراً لجبهة النصرة. إن الدولة الإسلامية تمرّ في حالةٍ يمكن وصفها بدولةٍ تحكم الشعب، بينما لا تجد جبهة النصرة ما تُظهر نفسها به. تحاول جبهة النصرة حالياً أن تثبت لمناصريها أنها قادرة على الحكم، هذا ما تقوم به فعلاً.

دير شبيغل: هل تحاول الدولة الإسلامية فعلياً بناء دولة؟ يبدو وكأنها تحاول أن تحلّ محل الحكومة من خلال تأمين الخدمات الاجتماعية، كمؤن الطعام ودعم المسنين. كيف تنظم الدولة الإسلامية الأمر ومن أين ترد الأموال لهذه الخدمات؟

ليستر: إنّ المال أساسي هنا. من المعروف جيداً أن الدولة الإسلامية تمولّ نفسها بنفسها بشكلٍ كامل تقريباً. تردها الأموال من السيطرة على النفط والغاز والمنتجات الزراعية كالقمح ومن بيع هذه المنتجات بشكلٍ غير مشروع، ومن السيطرة على المياه والكهرباء ومن فرض الضرائب ضمن مناطق سيطرتها. تكسب ملايين الدولارات يومياً، وتصرف جزءاً كبيراً من هذه الأموال على الخدمات الاجتماعية. يرمز ذلك لواقع أن الدولة الإسلامية تقدّم نفسها تماماً كما يشير اسمها: دولة إسلامية. ومن أجل ذلك، يتعين تأمين الخدمات عينها التي تؤمنها الدولة. يحقّ للناس الاحتفاظ بوظائفهم، إلا أنهم يتحولون إلى موظفين لدى الدولة الإسلامية كما حصل حين فرضت هذه الأخيرة سيطرتها المؤقتة على سدّ الموصل. ومن خلال التهديد بالقوة و ودفع الرواتب، تمكنوا من المحافظة على الموظفين المحترفين في وظائفهم داخل سوريا والعراق، بدءاً من نوادل المقاهي وصولاً إلى عمال السدّ الهيروكهربائي.

دير شبيغل: لقد أشرت أن زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي يتمتع بشرعية دينية أهم من تلك التي يتمتع بها بن لادن أو الظواهري.

ليستر: حتى وإن قدم كلّ من بن لادن والظواهري نفسيهما كعلماء في الإسلام، إلا أن أياً منهما لم يتلقى تدريباً دينياً رسمياً. تفيد المعلومات أن البغدادي حاز على شهادةً الدكتوراه في علوم الشريعة الإسلامية، كما كان شيخاً في أحد مساجد بلدته في سامراء، مما أتاح له اكتساب صورة الشرعية كسلطة دينية على رأس الدولة الإسلامية. لو ألقيت نظرةً على الأشخاص الذين يأتون مباشرةً بعد البغدادي، للاحظت أنّ معظمهم عناصر من الجيش والمخابرات ومسؤولين في الجيش العراقي. ويُظهر ذلك الحاجة إلى شخصية دينية على رأس الهرم. لا يبدو أن البغدادي يتمتع بالكاريزما، لذلك من الواضح أنه في مركزه هذا بفضل شرعيته الدينية.

دير شبيغل: من المسؤول عن استراتيجية المجموعة العسكرية؟

ليستر: من الصعب تحديد ذلك بثقة كاملة، إلا أنني أعتقد أن مساعدي البغدادي المباشرين هم من يديرون العمليات العسكرية. إنهم بأغليتهم الساحقة أشخاصاً سبق وخدموا كضباطٍ في الجيش العراقي أو أجهزة المخابرات، لذلك فهم مناسبون أكثر تخطيط وتنفيذ هذه الحملة المحترفة والمنهجية في العراق وسوريا. أشكّ في أن البغدادي يقوم بنفسه بتخطيط هذه العمليات.

دير شبيغل: كم عدد المقاتلين المتوفرين لدى الدولة الإسلامية؟

ليستر: يوجد لدى الدولة الإسلامية بين 6000 و8000 مقاتل في سوريا ونحو 15 ألف مقاتل في العراق. ارتفع عدد المقاتلين كثيراً لأنهم اختاروا عدداً من الرجال المحليين الذين كانوا يحملون السلاح كلما دخلوا بلدةً. وكان هؤلاء الرجال أمام خيارات ثلاتة؛ إما ان يتوبوا، أو يسلموا سلاحهم، أو ينضموا إلى الدولة الإسلامية.

دير شبيغل: يبدو أن الدولة الإسلامية تمتلك استراتيجية إعلامية متطورة جداً، بما في ذلك استخدامها لشبكات التواصل الاجتماعي. من وراء ذلك، برأيك؟

ليستر: من الصعب معرفة ذلك، إلا أن استخدام هذه الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي هو من دون شك استراتيجية منسّقة. في الأيام الأخيرة، تمّت إزالة كافة الحسابات التابعة للدولة الإسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء الليل في المناطق التي تتبع التوقيت الأوروبي. ويعمل موقع تويتر على إلغاء هذه الصفحات كلّ ليلة، إلا أنها كانت وبشكلٍ مفاجئ تظهر في اليوم التالي مجدداً، مما يشير إلى وجود مجهودٍ منسق. ولكن، يبدو أن الدولة الإسلامية لم تهجر موقع تويتر كمنصة رسمية، مع انتشار جزءٍ كبير من محتوى صفحتها على منصات تواصل اجتماعي أخرى أصغر.

دير شبيغل: إلى أي مدى نجحت الدولة الإسلامية في توظيف الجهاديين من أوروبا؟

ليستر: جذب هذا الصراع عدداً غير مسبوق من المقاتلين الأجانب، أتى معظمهم من أوروبا. جنّدت الدولة الإسلامية حتى الآن ما يتراوح بين 2000 و3000 مقاتل من أوروبا. وقد يساعد ذلك لو أرادت الدولة الاسلامية شن هجمات على أوروبا، إلا أنني مقتنع أنها لا ترغب في ذلك في الوقت الراهن.

دير شبيغل: بالعودة إلى تقدم الدولة الإسلامية، ما الذي يمكن القيام به لوقف هذا التقدم؟ هل كان الوضع مختلفاً اليوم لو قام الغرب بتسليح المتمردين السوريين المعتدلين عقب اندلاع الحرب الأهلية منذ ثلاث سنوات؟

ليستر: تشكّل هذه المسألة حالياً موضوع نقاشٍ دولي كبير. أعتقد أن الدولة الإسلامية بدأت تتعاظم فعلياً في العراق منذ منتصف العام 2009، لذلك ستكون في العراق ما هي عليه الآن حتى وإن لم تندلع الثورة السورية. قد يتساءل المرء إن كان تسليح المعارضة السورية المعتدلة في سوريا في العام 2011 من شأنه أن يساعد على منع الدولة الإسلامية من السيطرة على الأراضي السورية. إلا أنني، شخصياً، أعتقد أن سيطرة الدولة الإسلامية على بعض الأراضي السورية كان أمراً محتوماً – مع وجود عامل مثالي لذلك يتمثل في الثورة والحرب الأهلية والبيئة. كذلك، كان تقديم الدعم في وقتٍ مبكر للمعارضة المعتدلة ليخفف من قدرة الدولة الإسلامية على العمل في سوريا.

دير شبيغل: لماذا سمح الرئيس أوباما بالهجمات العسكرية في العراق، ولكن ليس في سوريا؟

ليستر: لطالما رأت الولايات المتحدة أن الوضع في سوريا معقد جداً من الناحية الإقليمية لتتدخل. تتعارض مصالح الولايات المتحدة وإيران في سوريا، بشكلٍ عام، بينما تلتقي مصالحهما في العراق بشكلٍ كبير. لأجل هذا السبب شعرت الولايات المتحدة بحرية أكبر لتتدخل على مستوى معيّن في العراق. كذلك، للولايات المتحدة مصالح في المنطقة الكردية في شمال العراق وعلاقات طويلة مع مقاتلي البشمركة التابعين لحكومة كردستان المستقلة ذاتياً. لا أتوقع أن نرى توسعاً خارج الغارات الجوية المحدودة التي يشنّها الأمريكيون حالياً والوجود المحدود جداً على الأرض لتأمين أمن اللاجئين. رغم ذلك، لا أعتقد أن الأمر كافٍ لردع الدولة الإسلامية، فقد أبطأت الغارات الجوية تقدمها إلى أنها لم تضعفها. إنّ الدولة الإسلامية تتراجع [في العراق] وقد تبدأ بتهديد حلب في سوريا قريباً.

دير شبيغل: ما نوع العلاقة التي تربط بين الدولة الإسلامية والمجموعات الجهادية الأخرى في المنطقة؟

ليستر: إنها علاقات محدودة جداً. لا حلفاء للدولة الإسلامية في سوريا. ثمة عدد من المجموعات التي أعلنت الولاء لها، ولكن بالتحدث عن مجموعات جهادية أكبر، فحلفاؤها قليلون جداً. في المقابل، للدولة الإسلامية حلفاء كثر في العراق، معظمهم من المجموعات العشائرية والبعثيين، وليس من العسكريين. وإذ تقدم الدولة الإسلامية نفسها كجماعة تتفوق على تنظيم القاعدة الذي لطالما حظي بدعم الجماعات الجهادية الأخرى، فإنها تعزل نفسها عن التركيبات الجهادية الأكبر.

دير شبيغل: كيف ستبدو الدولة الإسلامية بعد 12 شهر من الآن؟ وماذ ستعنيه للعراق وسوريا؟

ليستر: في حال لم تُصعّد الولايات المتحدة تدخلها في العراق، واستمرت الأحوال على ما هي عليه، أعتقد أن الدولة الإسلامية ستوسع رقعة الأراضي التي تسيطر عليها في سوريا. إلا أنني لا أرى أن علاقاتها مع النشطاء السنة الآخرين ستستمر طويلاً. فهي ليست علاقات طبيعية، ما يجمعهم هو فقط الهدف المشترك المتمثل بالإطاحة بالحكومة في بغداد. في غضون 12 شهر، ستبدأ هذه العلاقات بالانهيار، مما يؤمّن فرصةً أمام حكومة جديدة أو أمام الغرب لإعادة بناء بعض العلاقات القديمة التي تطورت أثناء النهضة. بدأنا نرى ذلك على نطاق ضيق في سوريا وإشارات عن ذلك في العراق، حيث يمكن أن تتضاعف.  

دير شبيغل: ما يمكن أن يفعله الغرب للمساعدة على وقف الدولة الإسلامية؟

ليستر: للأسف، سُمح للدولة الإسلامية أن تنمو وتتطور إلى حد، بحيث تتطلب أي استراتيجية لمواجهتها سنوات طويلة وموارد كبيرة – وليس موارد عسكرية فقط. إن استراتيجية مماثلة ستحتاج إلى تدابير اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية ودبلوماسية. يتعين علينا كذلك أن نجد طريقةً لإنهاء الصراع السوري، الأمر الذي يقدم دعوة مفتوحة لمجموعة مماثلة. وفي العراق، يتعين على حكومة بغداد أن تتواصل مع العشائر السنية وأن تحاول إعادتها إلى النظام.

المزيد

Get daily updates from Brookings