Commentary

لماذا لا تتفاعل أسواق النفط مع الهجمات على الناقلات في الخليج العربي؟

A handout photo made available by the Norwegian shipowner Frontline of the crude oil tanker Front Altair after the fire onboard the ship in the Gulf of Oman, June 13, 2019. Frontline/NTB Scanpix/via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. NORWAY OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN NORWAY - RC19F9982870

تتصاعد حدّة التوتر في الخليج العربي عقب سلسلة الهجمات التي طالت ناقلات النفط في خلال الشهر الماضي. أعلنت الولايات المتحدة لتوّها إرسال 1000 جندي إضافي إلى المنطقة لمواجهة المخاطر التي تهدّد جنودها ومصالحها. إلا أنّ أسواق النفط تبدو غير مضطربة، تتفاعل مع الأخبار الاقتصادية أكثر مما تتفاعل مع المخاوف من انقطاع النفط أو حصول نقص فيه.

سلسلة متصاعدة من الهجمات 

وقعت أول أربع هجمات على ناقلات نفطٍ في 12 مايو في خليج عمان على مقربة من مرفأ الفجيرة الإماراتي من دون أن تُسجّل أي إصابات بشرية أو أي تسرّب للنفط أو لمواد أخرى. وتوصّل تحقيقٌ دوليٌّ إلى أنّ الهجمات تمّت بواسطة ألغام لاصقة متصلة بأجسام السفن وإلى أنّ الهدف منها كان تعطيل السفن وليس تدميرها. وأشار التحقيق كذلك إلى تورّط “جهة فاعلة حكومية”، ولكن من دون أن يسمّي إيران، على الرغم من أنّ مسؤولين سعوديين وأمريكيين وجّهوا أصابع الاتهام إليها.

وجاءت الجولة الثانية من الهجمات التي شُنّت في 13 يونيو لتصعّد الأمور. فقد تعرّضت سفينة يابانية تحمل مادة الميثانول وأخرى نرويجية تحمل النافتا إلى هجمات في المياه الدولية في خليج عُمان. اشتعلت النيران في الناقلة النرويجية وقد تلقت النجدة بعد أن أرسلت الناقلتان اليابانية والنرويجية نداءات استغاثة. هذه المرة، كان المسؤولون الأمريكيون أكثر صرامة بتوجيه الاتهام لإيران ونشروا شريط فيديو يُزعم أنّه يظهر زورق دورية إيراني يزيل لغماً غير منفجر من إحدى السفن المتضرّرة. (وتنكر إيران تورّطها، إلا أنّ الدلائل تسير في هذا الاتجاه، والأسباب التي قد تدفع إيران لتنفيذ هجمات مماثلة كثيرة).

وبعد تعرّض ست ناقلات لهجمات في خلال شهرٍ واحد، قد يتوقع المرء ارتفاعاً نارياً في أسعار النفط وذعراً في السوق. إلا أنّ أسواق النفط تجاهلت هذه الأحداث. وقد سجّلت أسعار النفط الخام الرئيسي ارتفاعاً بنسبة واحد أو اثنين بالمئة يوم الجمعة بعد الهجمات الأخيرة، قبل أن تنخفض مرة أخرى في الأيام التالية. بشكلٍ عام، انخفضت أسعار النفط الخام أكثر من 10 دولارات في الشهرين الأخيرين، أي في الفترة التي وقعت في خلالها الهجمات.

القلق بشأن الامدادات مقابل المخاوف الاقتصادية

ما الأسباب وراء ردة فعل السوق الصامتة؟ في خلال الأشهر القليلة الماضية، شهدت أسعار النفط صراعاً بين مخاوف متناقضة – جيوسياسية من جهة واقتصادية من جهة أخرى. من الناحية الجيوسياسية، أدّى عدم الاستقرار وانخفاض إنتاج النفط في فنزويلا وليبيا إلى الضغط على أسعار النفط للارتفاع، بالإضافة إلى التنفيذ الكامل للعقوبات المفروضة على إنتاج النفط الإيراني. وفي الوقت ذاته، تضغط المخاوف الاقتصادية على أسعار النفط للتراجع. كذلك، يتباطأ النمو الاقتصادي في الصين، ويخشى العالم من أن تتوسّع الحرب التجارية الأمريكية – الصينية الحالية وأن تسحب معها الاقتصاد العالمي إلى الأسفل. 

في غضون ذلك، حتى في ظلّ الهجمات على الحاملات، تسيطر المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي، وتسجل أسعار النفط أدنى مستوياتها منذ أوائل يناير.

يسود الأسواق اعتقاد بأن مضيق هرمز سيبقى متاحاً أمام السفن 

عنصرٌ مهمٌّ آخرٌ يفسّر ردة الفعل الصامتة للهجوم على الناقلات هو أّنّها كان بالإمكان أن تكون أسوأ بكثير. لم تكن أي من تلك الناقلات تحمل نفطاً خاماً، وخمس سفن من أصل ستة كانت صغيرة جداً. وكانت السفينة السادسة سفينة سعودية كبيرة إلا أنّها كانت فارغة وفي طريقها لتحمّل نفطاً خاماً من رأس تنورة في المملكة العربية السعودية. يبدو أنّ الغرض من هذه الهجمات كان إرسال رسالة من دون زعزعة الأسواق فعلياً.

ودائماً ما تثير التوترات المتصاعدة في الخليج المخاوف من حدوث اضطرابات في أهم مصدر لإمدادات النفط – أي إغلاق مضيق هرمز. يتدفق نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط في العالم عبر هذا الممرّ الضيّق الذي يقع بين إيران من جهة وعمان والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى.

من الواضح أنّ إغلاق المضيق لأي مدّة زمنية قد يتسبب بارتفاع صاروخي لأسعار النفط وبنقصٍ حقيقي في النفط الخام. وتهدد إيران بانتظام بإغلاق المضيق حين تتعرض لأي ضغط، وهذا ما فعلته في أبريل رداً على سعي الولايات المتحدة لإيقاف الصادرات من النفط الإيراني. إلا أنّ أي محاولة لإغلاق المضيق قد يشكّل قراراً انتحارياً بالنسبة لإيران. فالأسطول الأمريكي الخامس القابع في البحرين قد يردّ على الفور، مصعّباً بالتالي على إيران منع حركة المرور البحرية. علاوةً على ذلك، قد يجمع إغلاق المضيق مُصَدِّري النفط حول العالم ضدّ إيران. وفي الوقت الذي ترزح فيه إيران تحت العقوبات الأمريكية، تراها أقل من أن تتحمل عداوة دول مثل الصين التي تميل إلى دعمها رافضةً العقوبات ومفضلة إيجاد حل بديل لها. 

ولكن، ثمة سوق واحدة تفاعلت بشدّة مع الهجمات على الناقلات وهي سوق التأمين. فقد شهدت أقساط التأمين على الناقلات التي تنقل النفط الخام في الشرق الأوسط ارتفاعاً صاروخياً وقد تضاعفت عشرين مرة عمّا كانت عليه قبل الهجمات، حتّى وأنّ بعض شركات التأمين يتردد في توفير التأمين. قد يكون رفع أسعار الشحن والتأمين والخوف الشديد على أولئك الذين يُبحِرون في الخليج من أهم الآثار التي خلّفتها هذه الهجمات. 

لا تحتاج إيران إلى إغلاق مضيق هرمز لتوضح وجهة نظرها. فالشبهات تحوم حول تورّط إيران في شنّ هجمات بطائرات من دون طيار على خط الأنابيب السعودي “شرق – غرب”، الذي يتيح تمرير صادرات النفط من دون الحاجة إلى مضيق هرمز. وتماماً كما أسهبت زميلتي سوزان مالوني في الوصف، تواجه إيران وضعاً حرجاً وهي تبحث عن طريقٍ يخرجها من الأزمة الحالية ويخلّصها من العقوبات الأمريكية. تهدف الأعمال التي تعطّل تجارة النفط إلى ممارسة المزيد من الضغط على الولايات المتحدة والعالم للعودة إلى طاولة المفاوضات وإنهاء العقوبات. ويمكن لإيران تحقيق هذا الهدف من خلال أعمال تخريبية على نطاقٍ أصغر يكون من الممكن إنكارها بشكلٍ معقول ومن الصعب ردعها، وتشكّل احتمالاً أقلّ بخلق ردة فعلٍ عسكرية ساحقة.