مواجهة نمو الشبكات الإرهابية في المغرب العربي: تحويل التهديدات إلى فرص

التهريب لا تشكل تهديدًا أمنياً مباشراً،إلا أنه من المحتمل، بل من الأرجح أن يؤدي إلى تحفيز مجموعات مستاءة من سيطرة الدولة لاستخدام اتصالاتها ومعرفتها بتضاريس المنطقة المثقبة لزعزعة المغرب العربي،الذي يعاني من قلة التعاون الأمني. وينبغي على هذا التطور أن يكون مصدر قلق رئيسي للولايات المتحدة الأميركية، لأن آخر ما توده إدارة أوباما في العالم الإسلامي الآن هو اندلاع أزمة رئيسية أخرى، أو نشوء ملاذات آمنة للمتطرفين العنيفين في مناطق إستراتيجية مهمة، كبلاد المغرب العربي.

ونظراً إلى الخطورة المحتملة لمثل هذا الموقف، يحث العديد من السياسيين الأميركيين البارزين وخبراء السياسة الخارجية بمن فيهم الجنرال ويزلي كلارك، ووزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت ، وأخيرًا السفير ستيوارت إيزنستات الذي ألف تقرير خاص و قُدم لإدارة أوباما، و شدَد فيه على "التدقيق"، وضرورة تعديل سياسة شمال إفريقيا قبل حصول أي أزمة2. لوقت طويل تم دفع المغرب العربي إلى أسفل قائمة الأولويات الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. وقد تعاملت الولايات المتحدة مع المشاكل عند ظهورها، لكن لم تسعَ أبداً إلى وضع رؤية إستراتيجية للتعامل مع المنطقة على نحو فعّال ولتعزيز مصالحها الجغرافية والسياسية والاقتصادية وكذلك مصالحها الأمنية فيما تٌحسن استقرار وازدهار المنطقة. حتى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجمات الإرهابية اللاحقة في إسبانيا، والتي أدين فيها مغاربة وجزائريون وتونسيين، فشلت واشنطن في مواجهة التهديد الأمني الواسع الذي شكلته الحركة التطرفية العنيفة. و فشلت إدارة بوش في التحرك إلى أبعد من عسكرة السياسات الخارجية واعترفت، مثلما أعرب رئيس هيئة الأركان المشتركة، العميد مايك ميولين مؤخرًا، بأن "القوات المسلحة قد لا تكون دائمًا أفضل اختيار لأخذ زمام المبادرة."3

هذا بالفعل الوقت المناسب للولايات المتحدة أن تعمل، بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين، على وضع إستراتيجية شاملة لمواجهة العوامل المعقدة التي تعيق دفع عجلة السلام، والتكامل الاقتصادي، و التعاون السياسي في المغرب العربي.

يعد النظام الأمني في منطقة المغرب العربي بشمال إفريقيا تحت ضغط كبير بسبب عدة تحديات، أهمها الهجمات الإرهابية التي تنوعت في امتدادها الإقليمي وازدادت بشكل مأسوي بنسبة تعدت "ال"400 في المائة منذ الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر / أيلول 2001. و يعاني المغرب العربي من التصعيد في سباق التسلّح و التوترات السياسية بين الجزائر و المغرب جرّاء الشكاوى المتبلورة منذ ثلاثة عقود حول الصحراء الغربية. إن العداء و انعدام الثقة بين هاتين القوتين واللتان تمثلان معاً أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة وثلاثة أرباعَ سكانِها، أصبحا تدميريين للغاية إذ أنهما جرّا المنطقة برمّتها إلى حلقة مفرغة مِنْ الشكِّ الجماعيِ، والتنافسات ذات النتائج العكسية، والسياسات الفاشلة. ونتيجة لذلك، أصبحت كل بلدان المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا، ليبيا) تجد نفسها غير مستعدة في هذه المرحلة الحرجة لمواجهة التحديات المتنوعة والمعقدة التي جعلت من المنطقة، حسبما جاء في كلمات مايك سميث، رئيس هيئة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، "أكثر بقع العالم الساخنة إثارة للقلق".

وقد هزت المخاوف حيال تحول مجموعة متمردة وعَنيفة جزائرية إلى منظمة إقليمية قويَّة ومُنسّقة - لديها القدرة على توجيه ضربات في قلب أوروبا - كل من الحكومات المحليّة والغربية. إن التهديد الموجه إلى الولايات المتّحدة وأوروبا يعد أمرًا حقيقيًا، نظراً لكون معظم من تم القبض عليهم لارتكابهم جرائم إرهابية في أوروبا قد أتوا من مجتمعات جزائرية، ومغربية، وتونسية محلية والتي يمكن لأعضائها العبور بتأشيرة حرة في كافة أنحاء أوروبا ومنها إلى الولايات المتحدة. إن سلسلة عمليات القتل الأخيرة، وحوادث الاختطاف، والتفجيرات الموجهة نحو كلٍٍ من الغربيين وأجهزة الأمن في أفريقيا الشمالية تؤكد امتداد منظمة القاعدةِ التدميري، فضلاً عن رغبتِها في تسخير المخزون الهائل من مشاعر الاستياء الذي يكنّه المغاربة والشعوب المسلمة في أوروبا نحو حكوماتِهم بشأن السياساتِ الغربيةِ في العالم الإسلامي. هذا، و يحتمل أن تشكّل المناطق المُساء حكمها والمتنازع عليها جنوب غرب الجزائر، والصحراء الغربية وشمال موريتانيا خطراً أكبر على الإقليم بأكمله وعلى الولايات المتحدة حيث كوّنت شبكات لتهريب البشر، والسلع، والمخدرات. و على الرغم من أن طبيعة هذا.

فعلى الرغم من قدراتها الاقتصادية، لم ترق المنطقة إلى مستوى الوعود. وتعد التجارة الإقليمية منخفضة بشكل كئيب، والنمو الاقتصادي ضعيف، و نسبة البطالة مرتفعة، والفقر منتشر، وانعدام المساواة الاقتصادية والاجتماعية حادة، وتطرف الشباب على ارتفاع. ففي المعسكرات التي تديرها جبهة البوليساريو ومقرها في ولاية تندوف، جنوب غرب الجزائر، تزداد حالات التذمر بين الشباب، والتَوَتّر بين الأجيال، والنزعة القومية المتطرفة. وقد شهدت الصحراء الغربية التي تقع تحت سيطرة المغرب أيضاً نصيبها من السخط المحلي النابع من انعدام الأمان الاقتصادي والاجتماعي، كما ظهر في أعمال الشغب المتعددة التي هزت المنطقة.

بمساعدة الإتحاد الأوروبي،تستطيع الولايات المتحدة أن تواجه النزاعات الرئيسية التي قسمت المنطقة وجعلتها عرضة للزعزعة. ومن شأن المساعدة في حل نزاع الصحراء الغربية وقضايا الحدود القائمة بين المغرب والجزائر أن يفك حالة الجمود القائمة، بما في ذلك العقبات التي تعترض سبل المصالحة الإقليمية، و التكامل الاقتصادي الإقليمي و التنسيق في مجال مكافحة التطرف والعنف والاتجار في المخدرات وتهريب البشر. لمعالجة هذه الحالة، يتوجب على إدارة أوباما أن تنظر بجدية إلى حلول المساومة السياسية التي هي حاليا رهن الدراسة بدعم من المغرب.

و يتوجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تنشط المبادرة الاقتصادية بين شمال إفريقيا والولايات المتحدة والتي انطلقت في 1999 واندرجت لاحقًا ضمن مبادرة شراكة الشرق الأوسط.عن طريق بناء معاهدات استثمارية ثنائية خاصة واتفاقيات تجارية مع المغرب وتونس والجزائر، وغيرها من الاتفاقات القائمة بين الإتحاد الأوروبي و المنطقة. فقد تجد كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا نفسها في وضع جيد لمساعدة كل بلدان المغرب العربي لتطوير روابط اقتصادية أوثق بالاقتصاد الدولي الأوسع؛ من خلال مساعدتهم على تحسين مناخ الأعمال و الإسراع بالإصلاحات في أنظمة الرقابة وإجراءات العمل. يتوجب أيضا على الولايات المتحدة أن تزيد التمويل لصالح الإصلاحات السياسية، والتعليم، وتمكين المرأة. بدون العناصر الثلاثة الأخيرة، لن تنجح الإصلاحات الاقتصادية في رفع شكل المنطقة من ويلات البطالة الهائلة واليأس المتزايد.