ذا أتلانتك

الصفقة الأمريكية-الروسية بشأن سوريا ما هي إلا انتصار للأسد

لم يكن من شأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في جنيف بشأن الأسلحة الكيميائية إلا أن يزيد من قوة الرئيس السوري بشكل فعال عن طريق إزالة خطر التدخل العسكري الأمريكي.

قد تُعتبر الصفقة مع روسيا بشأن الأسلحة الكيميائية "فوزاً" للرئيس أوباما، ولكن في أضيق معانيها فقط. نجح في تجنب حرب كان يرفضها أصلاً. ولكن في ظل التركيز شبه المفرط على استخدام الأسلحة الكيميائية، أزيحت القضايا الجوهرية إلى الجانب. ولا طالما كانت هذه نفسها إلى حد بعيد أو قريب – نظام عازم على قتل شعبه وترويعه وحرب أهلية وحشية تمتد إلى بقية المنطقة، تأجج الفتنة الطائفية وتزعزع استقرار جيران سوريا.

أما بالنسبة للرئيس السوري بشار الأسد، فقد تمّت مكافأته في الواقع لاستخدام الأسلحة الكيميائية، بدلاً من "معاقبته" كما كان مقرراً. استطاع أن يزيل التهديد الأمريكي بضربة عسكرية، ولكنه لم يتخلّ إلا عن القليل القليل في المقابل. ما كان محجوباً في المناقشات التي دارت في الأسابيع القليلة الماضية هو أنّ الأسلحة الكيميائية لم تكن أبداً في قلب إستراتيجية النظام السوري العسكرية، فهو ليس بحاجة إلى استخدام الأسلحة الكيميائية. بعبارة أخرى، حتى لو التزم النظام بعمليات التفتيش – التي يمكن أن تطول لعدة أشهر أو حتى لسنوات – لن يكون لذلك إلا تأثيراً قليلاً على الحرب الأهلية الأوسع نطاقاً، والتي لا يزال الأسد عازماً على الفوز بها.

يجد الأسد نفسه في موقف أقوى. يمكنه الآن التهرب من عواقب كل شيء تقريباً – طالما أنه متمسك باستخدام الأسلحة التقليدية، والتي هي على خلاف الأسلحة الكيميائية مسؤولة عن قتل الغالبية العظمى من ضحايا الحرب الأهلية الذين تخطى عددهم 100 ألف حتى الآن. لنسلم جدلاً أن الأسد كثف القصف على القرى والمدن باستخدام الطائرات والمدفعية. فماذا لو زادت أعمال القتل الجماعي وكثرت أعمال الذبح العشوائي؟ إنّ ما رأيناه حتى الآن هو فظيع، إلا أنه لا يُعتبر أسوأ ما يمكن أن يقوم به الأسد عند استخدامه الأسلحة التقليدية.

لقد لعب الأسد ومؤيديه الروس على نقطة ضعف أوباما الأكثر وضوحاً، مستغلين رغبته في إيجاد وسيلة – أي وسيلة – لتجنب الضربة العسكرية. كان هناك تهديداً باستخدام القوة العسكرية، إلا أنّ هذا التهديد كان ضعيفاً وغير موثوق به تماماً، وهذا ما تمّ تأكيده بعد الأحداث التي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية. ما زال الأسد في السلطة يتابع حربه. فقبل "الصفقة"، كان الأسد على الأقل قلقاً حول إمكانية التدخل العسكري وكان يقوم بضبط عمليات القتل اليومية وفقاً لذلك.

لذلك، كان التركيز على استخدام الأسلحة الكيميائية "فاحشاً" كما وصفه البعض. لم يهتم بالقتل بحدّ ذاته، بل من الطريقة. وكما كتبت في مقالي قبل أشهر، بعث "الخط الأحمر" الذي وضعته إدارة أوباما برسالة مثيرة للقلق، تشير إلى أن أي شيء أقل من استخدام الأسلحة الكيميائية – على سبيل المثال الذبح الجماعي المستمر بحق المدنيين بوسائل أخرى – كان في الواقع، مباحاً. والآن تمّ تأكيد هذه الرسالة مرة أخرى. ما كان من المفروض أن يساعد سوريا على إيجاد حلّ لصراعها الرهيب والمأساوي تحوّل الآن إلى لعبة القط والفأر بطريقة ساخرة حول الأسلحة الكيميائية.

من الصعب تخيّل أوباما عائداً إلى الكونغرس والشعب الأمريكي في المستقبل القريب، حاملاً قضية مختلفة تماماً عن الأسلحة الكيميائية وأي شئ متعلق بوقف المذابح الجماعية وتغيير التوازن العسكري على الأرض. لم تكن هذه الحجة التي قدمها أوباما وكبار المسؤولين هذه المرة، فكيف يبررون تقديمها بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من الآن؟ ما دام الأسد يظهر على أنه مطاوع باعتدال بشأن الأسلحة الكيميائية، فسيكون بأمان.

قد يُعذر المرء لو ظنّ أن هذه كانت خطة الأسد، بأن يستخدم الأسلحة الكيميائية كطعم، ويوافق على عمليات التفتيش بعد استخدامها، ومن ثم يعود لاستخدام أساليب القتل التقليدية. من المشكوك فيه أنّ الأسد بهذا الذكاء، إلا أنه كان ذكياً بما فيه الكفاية لاستخدام تردد الأمريكيين وسأمهم من الحرب لصالحه. حتى بالنسبة للشيء الوحيد الذي بدت إدارة أوباما مصرة عليه بشكل كبير – أي تطبيق المعايير الدولية ضد استخدام الأسلحة الكيميائية – لا تزال الرسالة التي تم إرسالها غير واضحة. فلنقل إنّ زعماء آخرين يتابعون هذه المرحلة المؤسفة ويستخدمونها ليقرروا استخدام الأسلحة الكيميائية أو عدم استخدامها – وهذا اقتراح مريب إلى حدّ ما – فمن المرجح أنهم تعلموا درساً مختلفاً نوعاً ما: إذا نجح الأمر بشدة مع الأسد، فلم لن ينجح معنا؟