الغارديان

ثورة مصر الجديدة تضع الديمقراطية في خطر

"فليسقط حكم العسكر". هكذا تصاعدت الهتافات من ميدان التحرير في وقتٍ كان يحكم فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة. إلا أنّ الوضع لم يعد كما كان عليه. فمنذ بضعة أيام، تم الاحتفال في المكان الذي كان يرمز إلى النضال العربي من أجل الديمقراطية والحرية بانقلاب عسكري. كان قسم من المصريين يحتفل بقمع القسم الآخر. ماذا حدث إذاً؟ ولماذا تؤيد شرائح واسعة من المجتمع الانقلاب ضد أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر؟

قبل تقديم أي تحليل عن أزمة مصر، يجب تفصيل المعسكر المناهض لمرسي. لتبسيط الأمور، يتكون المعسكر من أربعة لاعبين رئيسيين: الجيش وقوات الشرطة و"الفلول" وما يمكن أن نسميه "بالقوات الثورية غير الإسلامية".

إنّ اللاعب الأكثر نفوذاً هو الجيش، وتتبعه الشرطة. ومما لا شك فيه أنّ تدخلهما رجّح كفة ميزان القوة لصالح القوى المناهضة للرئاسة. أما في المركز الثالث، فيأتي الفلول مع ثرواتهم ومواردهم الهائلة ووسائل إعلامهم ومعارفهم في مؤسسات الدولة (والتي لا يزالون جزءاً منها في كثير من الأشكال) وحلفائهم الإقليميين والدوليين الأقوياء. وفي أسفل هذه السلسلة، تأتي القوى الثورية غير الإسلامية، وهي محدودة نسبياً من حيث الموارد والثروات والسلاح، ولكنها تنبض بالحماس والطاقة.

فلنعد إلى الوراء قليلاً. في سبتمبر 2011، كنت واحداً من بين مجموعة من هؤلاء الناس، ومعظمهم كان من الليبراليين. حينها، كانت أكثر العبارات غير المحببة والأكثر تداولاً هي "الحكم العسكري" وكان الخط الأحمر هو دولة يسيطر عليها الجنرالات. والهدف من ذلك كان إبقاء الجيش بعيداً عن السياسة في مصر. أما الإستراتيجية المتبعة والتي جمعتنا تحت ائتلاف مصر لنا فكانت تقضي بجمع سبعة مرشحين للرئاسة يحملون رسالة واحدة للجيش: تسليم السلطة إلى شخصية مدنية منتخبة.

تألفت المبادرة من مطالب أخلاقية وإجرائية: لا يمكن لأي سياسي اللجوء إلى السلاح أو المؤسسات المسلحة للإطاحة بسياسي آخر، ويتوجّب إجراء انتخابات رئاسية في موعد أقصاه فبراير 2012. ولكن عندما تم إرسال هذه المبادرة إلى الجنرالات الحاكمين، تجاهلوها ولم يردوا عليها.

أقوم بسرد هذه الأحداث لسببين. أولهما، إظهار كيف قلّل ويقلل قادة الجيش من شان الساسة المدنيين. حصل مرشحّونا وقتها على أكثر من 90 بالمئة من الأصوات. ومع ذلك، تمّ تجاهلهم من قبل الجنرالات بغض النظر عن خلفياتهم الإيديولوجية. أما السبب الثاني فهو لإظهار مدى تدهور الوضع، كاستبدال خطوط الثوار الحمراء التي كانت على سبيل المثال "لا للحكم العسكري" و"لا دستور تحت الحكم العسكري" بالهتاف لمجلس عسكري.

لما التغيير في المواقف؟ يعود ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسة هي: عدم الكفاءة وتوقعات غير محققة وحلفاء أقوياء. وكما يعرف الغرب جيداً، إنّ الديمقراطية عادة لا تجلب الأكثر كفاءة أو سحراً إلى السلطة. تحتاج المشاكل الاقتصادية والأمنية والسياسية في مصر لأكثر من عام لحلها، بغض النظر عمن يحكم. وبالتأكيد، ما كان من سلوك الرئيس مرسي وخطاباته وإخفاقاته المتعددة إلا أن صبت الزيت على النار.

هذا وبالإضافة إلى توقعاتنا بالانخراط السياسي في مناصب حكومية رئيسية وتطبيق العدالة الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني، والتي لم تتحقق مما أدى إلى تعاظم الغضب. لم يكن الرئيس غير قادر على محاكمة ضباط الشرطة الذين قتلوا وعذبوا العديد من النشطاء الليبراليين فحسب، ولكنه أيضا منح الجيش كل ما يريده تقريباً. شمل ذلك حق النقض في السياسات العليا (كقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية الحساسة)؛ واستقلال المؤسسة العسكرية و إمبراطوريتها التجارية مع حق مصادرة الأراضي الخاصة بها، وأسعار الجمارك والصرف التفضيلية، الإعفاء من الضرائب وعدد كبير من العمال برواتب شبه مجانية (التجنيد الإجباري)، فضلا عن الحصانة من الملاحقة القضائية.

سُرّ الفلول الأقوياء وقوات الشرطة جداً بالاستفادة من غضب القوى غير الإسلامية المشروع وكذلك بالغضب الذي اجتاح الشارع العام ضدّ الرئيس مرسي، لأسباب اجتماعية واقتصادية مختلفة. لم يكن ما حدث بعد ذلك إلا إبطال 14 جولة إنتخابات وطنية ديمقراطية وحرة ونزيهة واثنين من الاستفتاءات الوطنية التي أجريت في ما يتعلق بالإعلان الدستوري (مارس 2011) والدستور (ديسمبر 2012)، علماً أن تلك الانتخابات جميعها أسفرت عن عددٍ من الفائزين يقبع البعض منهم حالياً في السجن، وكذلك عن عددٍ من الخاسرين تحدثوا عن "الديمقراطية" و"العدالة" في كلماتهم في خلال الإعلان عن الانقلاب، خلف اللواء السيسي.

فماذا يحدث بعد ذلك؟ بات علماء السياسة معتادين على النمط التالي: عندما تُستخدم القوة لإزاحة المؤسسات المنتخبة والتي تحظى ببعض الدعم على الأرض، غالباً ما لا تكون النتيجة لصالح الديمقراطية، بل ستتنوع الاحتمالات لتشمل الديكتاتورية العسكرية الفورية، هيمنة الجيش على السياسة، والحرب الأهلية أو مزيجاً من الاحتمالات تلك جميعها.

تكرر أسوأ السيناريوهات التي شهدتها مصر في العام 2013 الأحداث التي عصفت بالجزائر في العام 1992 أو تلك التي عرفتها إسبانيا في العام 1936. في الحالتين، قتل حوالي 250 ألف شخص في حروب أهلية وسخة تسببت بها مجموعة من الضباط سعوا لإحداث انقلاب على العملية الديمقراطية. ترأس الانقلاب في الدولتين قادةٌ مدنيون ودينيون بدعمٍ من حشود كبيرة (معظمهم ممن خسروا في العملية الديمقراطية).

تميّز السيناريو الذي شهدته تركيا في العام 1997 بإراقة كميات أقل من الدماء، عندما أرسلت مجموعة من ضباط من مجلس الأمن القومي مذكرة إلى رئيس الوزراء نجم الدين أربكان، رئيس حزب الرفاه، طالبةً منه الاستقالة. أُزيحت حكومة أربكان ولكن خلافاً لانقلاب السيسي في مصر، لم يتم حلَ البرلمان أو تعليق الدستور، بل وأيضاً، سُمح للأحزاب التي انبثقت عن حزب الرفاه ولأعضائه بخوض الانتخابات التالية، كفوز حزب العدالة والتنمية في العام 2002، ، بأكبر نسبة تصويت وهو لا يزال حتى يومنا هذا يحكم تركيا ديمقراطياً.

إلا أن الانقلاب في مصر لم يبدأ بهذا الشكل. فقد تمّ حلّ البرلمان وتعليق الدستور واعتقال قادة الحزب الفائز وتفتيش منازلهم. كما وأنه لا يمكن أبداً استبعاد إمكانية فرض حظر على جماعة الإخوان المسلمين وشركائهم في الائتلاف.

يلوح في الأفق ظل الأحداث التي شهدتها الجزائر في العام 1992. هناك، لم تبدأ الحرب الأهلية الشاملة مباشرة بعد انقلاب يناير، بل في سبتمبر 1992، أي بعد تسعة أشهر. في حال تصرّف السيسي ومجلسه العسكري مثلما تصّرف نزار خالد في الجزائر أو فرانسيسكو فرانكو في أسبانيا، فمن المرجح أن نشهد تصعيداً في المواجهات المسلحة بين المجلس العسكري والموالين للرئيس، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب إقليمية ودولية وخيمة. يبلغ عدد سكان مصر ثلاثة أضعاف عدد سكان الجزائر في التسعينيات وأكثر من أربعة أضعاف عدد سكان سوريا. ويحدّ مصر كلّ من ليبيا والسودان وقطاع غزة وإسرائيل. كما تنعم مختلف الأطراف في مصر بدعم حلفاء دوليين وإقليميين ولا شكّ أنهم سيطلبون منهم المساعدة.

ولكن في حال تمكنت العملية السياسية الخاضعة لقيادة المجلس العسكري من تخطي الاستبعاد والقمع السياسي والإعلامي بطريقة أو بأخرى، قد نشهد انتقالاً مماثلاً لذلك الذي شهدته تركيا بعد العام 1997. إن السيناريوهات غير مؤكدة، إلا أن الخطر المحيط بالديمقراطية في مصر هو أمرٌ أكيد.

ومن الأمور الأكيدة أن النتائج المترتبة على إنهاء عملية إرساء الديمقراطية لن تنحصر في مصر. إذ إنّ ما يحدث في مصر لن يبقى أبداً في مصر .