فورين بوليسي

آن الأوان لتسليح الثوار السوريين

حتى وقت قريب، كان هناك إجماع قوي بين كبار مستشاري الرئيس الأمريكي باراك أوباما للأمن الوطني على شيء واحد وهو تسليح سوريا. ففي شهادة أدلى بها وزير الدفاع ليون بانيتا والجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي وذلك في السابع من فبراير أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، أكد كل منهما على دعمه للدعوة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون وديفيد باتريوس المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية — إلى تزويد المعارضة السورية بالدعم اللازم للإطاحة بنظام بشار الأسد.

فما هي الحجج التي أقنعت أوباما بإلغاء قرار مستشاريه؟ ربما لن نعرفها أبدًا، لكن هناك شيئًا واضحًا تمامًا وهو أن تلك الحجج تستند إلى قراءة واعية ومتأنية للوضع على الأرض في سوريا حيث تتسم السياسة الأمريكية بالتناقض بين الكلمة والفعل. وبالرغم من أن الرئيس أوباما دعا مرارًا وتكرارًا إلى الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، فإنه لم يقدم أي خطة قابلة للتصديق لتحقيق هذا الهدف.

وشدد الرئيس الأمريكي في الأسبوع الماضي على أن الولايات المتحدة قد "انضمت إلى دول العالم الداعية إلى إنهاء نظام الأسد". لكنه لم يكد يطلق هذا التصريح حتى كلف نائبه جوزيف بايدن بأن يحاول — من جديد — إشراك روسيا في إيجاد حل لهذا الصراع. لكن الاعتماد على وساطة موسكو — وتأكيدها على التحول الديمقراطي بقيادة الأسد — أثبت أنه في غير محله على الإطلاق، فلن يشرف الأسد على عزل نفسه من منصب الرئاسة.

وقد جاء الموقف الدبلوماسي المليء بالتغيرات على حساب اتخاذ خطوات حاسمة باتجاه تغيير النظام. وكان أوباما على صواب، بعد مرور عقد على الحرب، أن يطرح أسئلة صعبة عما إذا كان التدخل الأمريكي الأوسع نطاقًا سوف يصب في صالح سوريا أم في صالح الولايات المتحدة. لكن سياسة عدم التدخل أثبتت الآن أنها تنطوي على انهزام الذات. وفي ظل غياب المساعدة الأمريكية، تباطأ زخم الثوار وانزلقت المعارك من أجل دمشق وحلب وغيرها من المراكز الإستراتيجية السورية نحو حالة من الجمود المروع.

في هذه الأثناء، يتشرذم المجتمع السوري وتزداد الطائفية في البلاد. وفي حين تتنامى قوة جبهة النصرة، التي تمثل تنظيم القاعدة المحلي في سوريا، ضاعف الإيرانيون وحزب الله من دعمهما للنظام السوري. فكلاهما على سبيل المثال أرسل قوات للقتال جنبًا إلى جنب مع الجيش السوري. وإضافة إلى ذلك، فإنهما يتوليان تدريب وتسليح الجيش الشعبي وهو قوة تحت سيطرة الحكومة السورية، وذلك وفقًا لمصدر إيراني واحد على الأقل، تقتفي أثر ميليشيا الباسيج في الجمهورية الإيرانية. كما أن إيران تقدم المساعدات الاقتصادية والترويج الإعلامي.

والتأثير الاستقطابي لإيران وتنظيم القاعدة ينذر بمزيد من التفاقم للعنف الطائفي في البلاد، والذي من شأنه أن يمتد حتمًا إلى الدول المحيطة. ولمنع السيناريو الأسوأ من الوقوع، يجب على الولايات المتحدة أن تضطلع بدور قيادي أكبر والذي يعني، كما أوضح مستشارو الرئيس، بناء قدرات الجيش السوري الحر وهو عبارة عن شبكة من الفرق العسكرية المتمردة، الوطنية والعلمانية. وهذا لا يتطلب بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا ومستمرًا من جانب الولايات المتحدة وإنما سوف يستلزم تسليحًا للجيش السوري الحر ومساعدته على تطوير إستراتيجية عسكرية على مستوى الدولة.

من وجهة نظر عسكرية بحتة، يحتاج الثوار إلى المساعدة في إبطال مفعول الأسلحة التي تعطي الدولة السورية مزاياها الأهم، وهذه الأسلحة تحديدًا هي المدرعات والطائرات ذات الأجنحة الثابتة. وسوف يقطع توفير الأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات شوطًا طويلًا باتجاه وقف دبابات الأسد. لكن التغلب على التفوق الجوي للنظام وهو الشيء الذي يخشاه المتمردون والمدنيون أكثر من غيره، بمثابة تحدٍ هائل. وهنا ينبغي أن تلعب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي دورًا حاسمًا في التهديد الجدي باستخدام القوة من أجل وقف الأسد عن قذف القنابل بلا تمييز. وفي حين أنه قد لا يكون من الضروري فرض منطقة حظر جوي على شاكلة ما حدث في ليبيا، إلا أنه لابد من التلويح بهذا التهديد على نحو دائم والاستعداد لتنفيذه إن لزم الأمر. وهناك بديل واضح لفرض منطقة حظر جوي وهو تزويد الثوار بأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف. لكن القيود الدولية والمتعقلة كثيرة. فاستخدام هذه الأنظمة سوف يتطلب شراكة أقوى بين الجيش السوري الحر والحلفاء الإقليميين الرئيسيين مما هو متوفر حاليًا.

وبالإضافة إلى الأسلحة، يحتاج الجيش السوري الحر إلى التدريب والموارد والدعم الاستخباراتي. فهذا الجيش يفتقر حاليًا إلى إستراتيجية عسكرية سليمة. لا يستطيع سوى الأمريكيون الذين يتعاونون مع الدول العربية الحليفة بتأمين الموارد الدبلوماسية والعسكرية المطلوبة لمساعدة الجيش السوري الحر في تطوير قدراته. وغالبًا ما يقال إن الولايات المتحدة ليس لديها سجل ناجح فيما يتعلق بتوفير هذا النوع من المساعدة. لكن هذا الأمر ببساطة ليس صحيحًا. في الواقع، خلال الشهور الأخيرة، حققت الولايات المتحدة عددًا من النجاحات في اليمن. فبوجود عسكري بسيط، ساعد البنتاجون في تدريب وتجهيز الجيش اليمني، ممدًا إياه بالوسائل اللازمة لاستعادة الإقليم الذي تخلى عنه لصالح تنظيم القاعدة في السابق. وفي حين أن حملة الطائرات الأمريكية بدون طيار تصدرت العناوين الرئيسية، فإن الأمل الأكبر طويل الأمد يظل معقودًا على الجهود الرامية لبناء قدرات شراكة. والشراكة التي يتم تطويرها في اليمن هي بالتحديد النموذج الذي هناك حاجة إلى تطبيقه في سوريا.

من المهم أن نتذكر أن تسليح الجيش الحر تحرك سياسي. وببساطة القرار الأهم على الإطلاق هو تزويد المعارضة السورية بالسلاح الفتاك الذي يمكنها من الإطاحة بالنظام. والهدف من العملية سيكون بناء قوة على الأرض تحترم على الأرجح المصالح الأمريكية وتلتزم ببناء سوريا مستقرة غير طائفية. وحتى توفير الأسلحة الخفيفة سوف يكون بمثابة بداية جيدة لهذا المشروع.

وبالتأكيد هذه السياسة تتضمن مخاطر ذات عواقب غير متعمدة. فقد تتدفق بعض الأسلحة إلى تنظيم القاعدة. وربما تأخذ بعض الجماعات المساعدات الأمريكية ثم تتحول ضد الولايات المتحدة. لكن السلبية وعدم التحرك يتضمنان مخاطر كذلك. فسياسة عدم التدخل الحالية لم تحقق نجاحًا كبيرًا في منع المتطرفين من الحصول على الأسلحة. كل ما فعلته أنها منحتهم الوقت والحافز لتطوير مصادرهم المستقلة للدعم الخارجي.

ومن خلال إثبات الولايات المتحدة أنها اللاعب الدولي الأهم الذي يشكل الصراع داخل سوريا، سوف تضع حجر الأساس لمساعدة الشعب السوري في صياغة حوار وطني حقيقي حول طبيعة المرحلة الانتقالية في بلادهم. ويجب أن يتضمن ذلك تشكيل منصة وطنية تجمع مختلف الطوائف العرقية والدينية في سوريا بما في ذلك السنة والشيعة والعلويين والمسيحيين والأكراد إضافة إلى الرموز القبلية والدينية وذلك بهدف مناقشة مستقبل البلاد. ويجب أن تشمل هذه المنصة على وجه الخصوص العلويين الذين يتمتعون بشرعية واسعة داخل طائفتهم، ولكن أيضًا الذين أيضًا لديهم استعداد للتحدث حول نظام ما بعد الأسد.

في نفس الوقت، يجب على الولايات المتحدة أن تجمع القوى الدولية والإقليمية الرئيسية من أجل تشكيل مجموعة توجيه دولية. وهذه المجموعة التي تشمل الصين وروسيا وتركيا والدول العربية والأوروبية المهمة يجب أن تتوافق حول عدد من الأهداف الرئيسية فيما يتعلق بالعملية الانتقالية وأن تضع عددًا من العلامات الرئيسية من أجل تحقيق هذه الأهداف بفعالية. كما يجب أن ينصب تركيزها المباشر على حماية المدنيين والأقليات والجماعات المعرضة للخطر من خلال تشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار؛ ومواجهة المشكلات الإنسانية؛ والوقاية من الأسلحة الكيماوية وغيرها من الأسلحة غير المصرح بها؛ ودعم الحكومة الانتقالية التي يتولاها السوريون وجهود العدالة الانتقالية.

وللنجاح في هذا المسعى، يجب على الرئيس أوباما أن يقنع روسيا أولًا بالتخلي عن طلبها بلعب الأسد دورًا في المرحلة الانتقالية. لكن إذا ظلت موسكو على حالها من الرفض والتحدي، فلابد أن يكون لدى الرئيس الاستعداد لاتباع سياسة مستقلة في الوقت الذي يبقي فيه على الباب مفتوحًا أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام في نهاية المطاف للإجماع الدولي.

التحدي السوري صعب. وصعوبته هي ما جعلت عدم التدخل خيارًا جذابًا. لكن التطورات على الأرض منذ ذلك الحين جعلته خيارًا خطيرًا بالنسبة للمصالح الأمريكية. لقد حان الوقت لأن يصغي أوباما لمستشاريه في مجال السياسة الخارجية والأمن الوطني.