معهد بروكنجز

ضربات الطائرات بدون طيار ومعاداة أمريكا في باكستان

في الوقت الذي بدأت فيه الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، يتعين على إدارته أن تتعاون مع باكستان لحل مشكلة الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار. فعقب تعيين وإعلان جون كيري وزيرًا للخارجية الأمريكية وتعيين جون برينان مديرًا لوكالة الاستخبارات الأمريكية، حان الوقت للنظر في هذه المشكلة من جديد. فلقد قاد السيناتور الأمريكي كيري برنامج مساعدات مدنية ضخمة لباكستان في عام 2009 من خلال "مشروع قانون كيري - لوجار – بيرمان". وخلال ما يزيد عن 242 ضربة شنتها الطائرات الأمريكية بدون طيار في باكستان منذ عام 2009، كان يُنظر إلى جون برينان باعتباره مهندس برنامج الطائرات الأمريكية بدون طيار لدى إدارة أوباما. وكلا الرجلين يعرف باكستان جيدًا، وقد آن الأوان لهما كي يعملا سويًا لجعل الباكستانيين يفهمون برنامج الطائرات الأمريكية بدون طيار.

لا يزال الجدل دائرًا حول ما إذا كانت الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار تزيد من معاداة أمريكا في باكستان، ويذهب أشد المعارضين للطائرات بدون طيار إلى الاعتقاد بأن هذه الضربات تزيد من عمليات التجنيد في التنظيمات الإرهابية. ويرى المعارضين لهذه الطائرات أن هذا يحدث في الأساس بطريقتين: الأولى أن تلك الطائرات يمكنها أن تزود المتطرفين بالذخيرة الحربية من أجل تجنيد من هم على هامش التحول إلى إرهابيين. لكن هؤلاء الأفراد أعداء للولايات المتحدة الأمريكية على أية حال، والأرجح أنهم سيبقون كذلك سواءً شاركت الولايات المتحدة بهمة في ضربات الطائرات بدون طيار أو لا.

وأما الحجة الثانية فتتمثل في أن الطائرات بدون طيار يمكن أن تجعل أفرادًا غير متشددين نهائيًا ينضمون إلى جماعات إرهابية حيث إن الأفراد غير المتشددين يمكن أن يثير غضبهم الدمار الذي تحدثه الضربات التي تشنها الولايات المتحدة بالطائرات بدون طيار. بيْد أن هذا أمر يصعب تخيله. فمن المقبول إلى حد بعيد أن الأفراد يمكن أن يصيروا متطرفين إذا ألحقت الضربات الأمريكية بالطائرات بدون طيار الأذى بعائلاتهم أو أصدقائهم أو مجتمعاتهم. لكنه إذا افترضنا أن التأثير الوحيد لضربات الطائرات بدون طيار هي زيادة التطرف، فإن الوصفة السياسية التي تنبثق عن ذلك هي عدم فعل أي شيء إزاء برنامج الطائرات بدون طيار أو وقفه تماماً. لكن برنامج الطائرات بدون طيار سيستمر، وبالتالي فإن السياسة إلى الآن هي مواصلة نشاطات هذا البرنامج.

الأمر الذي يتم التغاضي عنه في هذا الجدل هو مسألة أن الضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار تثير غضب الفئات الأكثر اعتدالًا وليبرالية في المجتمع الباكستاني؛ أولئك الذين ظلوا يتعاطفون مع الولايات المتحدة. تخيل جماعة من الأشخاص الذين تلقوا حظًا وافرًا من التعليم والذين درس الكثيرون منهم في مدارس أجنبية؛ وانفتحوا على الإعلام الأمريكي والغربي؛ وأحبوا واعتنقوا الكثير من جوانب الثقافة الأمريكية. الأرجح أن هؤلاء الناس حظوا بنوع ما من التفاعل الشخصي مع الغرب من خلال السياحة والدراسة في الكليات بالخارج ومن خلال أفراد أسرتهم أو أصدقائهم الذين يعيشون في الولايات المتحدة. الأمر الذي يزعج هذه الجماعة بشأن الضربات الأمريكية بالطائرات بدون طيار هو النفاق الأمريكي المتصور إزاء قيمة أرواح الباكستانيين. هذا الأمر يزعجهم أكثر من انزعاجهم من الهجوم على السيادة الباكستانية. فبعد حادث إطلاق النار المروع على مدرسة ساندي هوك للتعليم الأساسي في ديسمبر، جاء عنوان إحدى مقالات الصحيفة البريطانية ذا جارديان على النحو التالي: "في الولايات المتحدة القتل الجماعي للأطفال مأساة أما في باكستان فهم مجرد حشرات". وانتشر هذا الخبر بين الباكستانيين المتعلمين.

وعلاوة على ذلك، هناك تغطية لتقرير نُشر مؤخرًا عن الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار في باكستان أعدها باحثون في جامعة نيويورك وكلية الحقوق بجامعة ستانفورد تروي قصص الإرهاب اليومي الذي يواجه هؤلاء الذين يعيشون في أماكن تشن فيها الطائرات الأمريكية بدون طيار ضرباتها. وقد حظيت هذه التغطية بانتشار واسع بين الباكستانيين. ولم يهتم الكثيرون بالإشارة إلى أن هذا التقرير كتبته منظمة حقوقية وأن بعضًا مما جاء به من إحصائيات كان مشكوكًا فيه. وفي حين تجمع مؤسسة نيو أمريكا وصحيفة لونج وور ومكتب لندن للصحافة الاستقصائية إحصائيات عن الضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار، تختلف الأرقام، ومما يزعج هذه الجماعة الليبرالية المتعلمة من الباكستانيين هو أن الحكومة الأمريكية لا تفرج عن معلوماتها الخاصة بالضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار. وجاء اعتراف من بين الاعترافات العامة فيما يتعلق بهذه القضية في عام 2012 عندما ألقى جون برينان كلمة أشار فيها إلى أنه ليس هناك تقريبًا أي وفيات مدنية نتيجة للضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار. وقد صدم هذا الكثيرين واعتبروه أمرًا غير معقول، وقد زاد من سخط الباكستانيين. < /p> لماذا تعتبر مسألة غضب هذه الجماعة من الباكستانيين المتعلمين الليبراليين أمرًا مهمًا؟ ففي كل الأحوال، احتمالات أن يصبح أي من هؤلاء متطرفًا احتمالات ضعيفة.

هؤلاء الناس مهمون لأنهم يشكلون مجتمعًا مدنيًا نشطًا في باكستان تعول عليه الولايات المتحدة باعتباره قوة موازية للفئات المتشددة في المجتمع الباكستاني. فهم يعملون في الحكومة الباكستانية والإعلام وقطاع الأعمال، وهذه الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار تدفع هؤلاء الناس إلى فقدان الثقة على نحو دائم في الولايات المتحدة وتزيد مواقفهم من الولايات المتحدة تصلباً. إنها تقوض كافة الجهود الإيجابية التي تبذلها الولايات المتحدة في باكستان، وكافة المساعدات التي تزود بها البلاد كما أنها تضعف القوة الأمريكية الناعمة في المنطقة. فإذا فقدت أمريكا هذه القلوب والعقول، فإنها ستخسر المعركة لصالح باكستان.

 
من أين تحصل هذه الفئة من الباكستانيين على معلوماتها؟ إنها تقبل الرواية المتوفرة هناك والتي تقدمها وسائل الإعلام الباكستانية المعادية لأمريكا بشكل صريح، والتي تشير إلى أن الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار تتم بقسوة دون أي اعتبار للضحايا المدنيين. وهذه الرؤية تضخم من عدد المدنيين الذين يلقون حتفهم بسبب الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية لاسيما النساء والأطفال، كما أنها تقلل من العدد الفعلي للمتطرفين الذين يتم قتلهم. وبدون تقرير رسمي عن الأحداث من الحكومة الأمريكية، يمكن أن يتم استغلال هذه الرواية والترويج لها بسهولة.

لنلق نظرة على بعض الأدلة بشأن البيانات المذكورة أعلاه. وفقًا لاستفتاء بيو جلوبال أتيتيودز، وهي دراسة تمثل ما يقرب من ألفي باكستاني، قال 55% من المشاركين إنهم سمعوا (كثيرًا أو قليلًا) عن هجمات الطائرات بدون طيار، وذلك مقارنة بنسبة 36% في عام 2010. ويكشف تحليل إحصائي بسيط باستخدام الجداول التقاطعية يربط بين التعليم ومعرفة ضربات الطائرات بدون طيار أن نسبة الباكستانيين الذين لديهم معرفة بهذه الضربات تزداد مع ارتفاع مستوى التعليم. وعلى وجه الخصوص، أكثر من 80% من الذين حصلوا على حظ وافر من التعليم بدرجات تعليم عال أو دراسات عليا يقولون إنهم سمعوا عن الضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار. أيضًا وفقًا لاستفتاء بيو جلوبال أتيتيودز في عام 2011، بشأن هؤلاء الباكستانيين الذين لديهم شيء من المعرفة عن ضربات الطائرات بدون طيار، يرى 95% أن الطائرات بدون طيار هي "شيء سيئ أو سيئ جدًا". وبالإضافة إلى ذلك، يعارض 69% من المشاركين في الاستفتاء فكرة أن الضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار ضرورية للدفاع عن باكستان ضد الجماعات المتطرفة، ويوافق 91% على فكرة أنها تقتل الكثير جدًا من الأبرياء.

وتشير هذه الإحصائيات إلى أن هناك مجالًا أمام الولايات المتحدة لتوضيح برنامج الطائرات بدون طيار للباكستانيين على جبهتين من أجل تصحيح المفاهيم والأفكار الخاطئة التي تنتج عن صمتها. فأولًا، يمكنها أن تواجه الرواية التي تقول إن عشرات المدنيين الباكستانيين يلقون حتفهم بسبب الضربات التي تشنها الطائرات الأمريكية بدون طيار وذلك من خلال الإعلان عن عدد الضحايا المدنيين، موضحة حرص مخابراتها الشديد على دقة ما تجمعه من معلومات قبل شن أي هجوم، والتزامها التام لأن يكون الدمار المصاحب وعدد الضحايا المدنيين شيء لا يذكر أو بأقل نسبه. وثانيًا، لمواجهة الاعتقاد بأن الضربات التي تشنها الطائرات بدون طيار غير ضرورية، يتعين على الولايات المتحدة أن تُشرك الشعب الباكستاني في توضيح الأهداف المنطقية من وراء شن ضربات الطائرات بدون طيار مقارنة بالخيارات الأخرى لاستئصال الجماعات المتطرفة. كما يجب على الولايات المتحدة أن توضح عدم جدوى الجهود التي يبذلها الجيش الباكستاني ضد المتطرفين في المناطق القبلية المدارة فيدراليًا والمناطق الأخرى، بالرغم من حقيقة أن هذا الأمر سوف يكون مسألة حساسة بالنسبة للحكومة الباكستانية. والأهم من ذلك، أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تقنع الباكستانيين بمدى النجاح الفعلي الذي حققه برنامج الطائرات بدون طيار في تدمير عدد كبير من المتطرفين في المنطقة. وللقيام بكل هذا، تحتاج الولايات المتحدة إلى الكشف عن برنامج الطائرات بدون طيار الآن.

وبالرغم من أن طريقة التعاون بشأن قضية الطائرات بدون طيار لن تكون سهلة، إلا أنها جديرة بالتنفيذ، وقد آن الأوان للولايات المتحدة أن تتولى كشف الحقائق بنفسها. الأرجح أن الباكستانيين الليبراليين سوف يستمرون في وقوفهم ضد الهجمات على السيادة الباكستانية، لكنهم سوف يقدرون لأمريكا أمانتها، والكرامة التي يمنحهم إياها حوار صادق من جانبها، وإيمانها بقيمة الأرواح الباكستانية. وإذا كانت الحجة هي أن الطائرات بدون طيار هي الطريقة العملية الوحيدة لاستئصال شأفة الجماعات المتطرفة في شمال غرب باكستان، فلابد من توضيح ذلك للباكستانيين. يجب حل حالة الارتباك التي يعيشها الكثير من الباكستانيين، حتى المتعلمين والليبراليين منهم، بشأن من هو عدوهم الحقيقي: هل هو طالبان والتطرف الإسلامي أم أمريكا. إذا لم تفعل أمريكا هذا الآن، فإنها قد تخسر إلى الأبد المعركة التي تهدف إلى كسب قلوب وعقول هؤلاء الباكستانيين التي لا غنى لها عنهم.