ذا هافينغتون بوست

سوريا وحقوق الإنسان والأمم المتحدة

في الوقت الذي يتوجه فيه زعماء العالم إلى نيويورك لحضور اجتماعهم السنوي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يتركز الكثير من اهتمام العالم على الدماء التي تسيل في سوريا والجمود المستمر الذي منع المنظومة الدولية من اتخاذ إجراءات جماعية في هذا الشأن. وفي الوقت الذي كانت فيه بعثة الأخضر الإبراهيمي نيابة عن مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية لتسهيل السلام في سوريا محل إعجاب وتقدير، إلا أنه يحمل تفويضًا قد فشل بكل ما في الكلمة من معنى، وما زاد ظروف تحقيق السلام إلا سوءً.

إنه رغم الجهود التي يبذلها نظام الأسد لحجب المعلومات المتعلقة بالصراع والتلاعب فيها، فلدينا معلومات موثوقة تؤكد لنا أنه سوف يسعى بكل ما أوتي من قوة للصمود أمام خصومه، سواء الخصوم المسلحين أو غير المسلحين. ومن خلال أسراب اللاجئين الذين يعبرون الحدود إلى تركيا والأردن والصحفيين الشجعان الذين يخاطرون بحياتهم على الخطوط الأمامية للمعارك، تتوارد الأنباء أنه يتم تسليح المواطنين يوميًا ليس بما هو أكثر من هاتف محمول واتصال على السكايب، وبعد أن تم نشر مراقبي الأمم المتحدة في الميدان، فالدليل واضح على إعلان الحرب الأهلية، كما يتم القبض على المدنيين عند تبادل إطلاق النار. وسوف تعتمد نتائج تلك الحرب، كما سيتضح، على الجانب القادر على فرض تسوية من شأنها أن تفضي إلى رحيل الأسد، أو احتفاظه بالسلطة لسنوات قادمة. ومع أن الآمال قاتمة، سيفعل مجلس الأمن الدولي الكثير نظرًا لاستمرار التعنت من جهة روسيا والصين وازدواجية المعايير في الديمقراطيات الناشئة مثل البرازيل والهند.

من ناحية أخرى، يعد مجلس حقوق الإنسان الهيئة الوحيدة التابعة للأمم المتحدة التي تقوم بالدور المنوط بها والذي من المفترض أن تقوم به في سوريا. فمنذ اندلاع الصراع في مارس 2011، قرر أعضاء المجلس تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان الجارية في سوريا. وتم عقد جلسات خاصة متعددة لدراسة الموقف وتعيين لجنة خاصة للتحقيق، بقيادة الخبير البرازيلي في مجال حقوق الإنسان باولو سيرجيو بينيرو، في دقة المعلومات المتاحة وتحديد المسؤوليات.

خلص التقرير الأخير (PDF) للجنة، الذي ستتم مناقشته في الدورة القادمة من "مجلس حقوق الإنسان" في 17 سبتمبر، إلى أن الحكومة السورية، من منظور سياسة الدولة، قد ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك القتل العمد والقتل خارج نطاق القضاء والتعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والعنف الجنسي. وقد توصل التقرير أيضًا إلى أنه تم استخدام أساليب أكثر وحشية وقدرات عسكرية جديدة في الأشهر الأخيرة عن طريق القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة على حد سواء. وفي حين أن هناك من يزعم أن قوات المتمردين قد قامت بارتكاب جرائم، بما في ذلك القتل والتعذيب، لاحظت اللجنة أن هذه الانتهاكات ليست بنفس الخطورة والتكرار والحجم كتلك التي ارتكبتها قوات الحكومة ومليشياتها، الشبيحة. وسيتم تقديم قائمة سرية بالأفراد والوحدات التي يُعتقد أنها مسؤولة عن هذه الجرائم إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان نافي بيلاي في وقت لاحق من هذا الشهر. وهذا بدوره سيخلق ضغطًا على مجلس الأمن لإحالة المسألة إلى "المحكمة الجنائية الدولية".

ولم يتناول مجلس حقوق الإنسان سوريا فحسب، بل سائر القضايا العاجلة كذلك. حيث أدت دورته الطارئة بشأن ليبيا بعد إشارة معمر القذافي إلى القيام بحرب شاملة ضد المدنيين إلى إقالته الفورية من المجلس. كما ساعدت على تثبيت قضية تمسك مجلس الأمن بمسؤولية حماية العقيدة، ذلك الإنجاز الهام في تفعيل مفهوم يحتوي في صميمه على حماية المدنيين. كما أدت إلى إيجاد مقررين خاصين للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومات من إريتريا وروسيا البيضاء وإيران. وبهذا يتم الضغط على الدول لتحسين سجلاتها عبر مجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان بما في ذلك حرية تكوين الجمعيات والهجمات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان وحقوق المثليين. وتكسب الآلية الجديدة لفحص سجل حقوق الإنسان لكل دولة عضو في الأمم المتحدة مزيدًا من الاستحسان من الناشطين من دول مثل فنزويلا وزيمبابوي والهند والبرازيل، كما سمعت بذلك خلال اجتماعات الجمعية العالمية للتحالف في مونتريال الأسبوع الماضي.

ويمضي المجلس قدمًا في معالجة هذه المسائل حتى مع وجود دول صعبة مثل الصين وروسيا كأعضاء في المجلس. وفي حين أن بعض السياسيين يفضلون انتهاز كل فرصة ممكنة لإقالة المجلس بكامله بسبب عضويته المختلطة، يحكي الواقع قصة أخرى: فمن خلال تحديد القيادة من الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى، إلى جانب مجتمع عالمي منظم لحقوق الإنسان، ونشر عمل المجلس بصورة أكبر من خلال شبكة الإنترنت، والمساهمة القيمة من الخبراء المستقلين للمجلس، تعمل حقوق الإنسان طبقًا لجدول أعمال المجتمع الدولي ويؤدي ذلك إلى تقدم مدهش، رغم أن بطيء. لهذا صوتت، في الاستقصاء الأخير الذي أعدت مجلة فورين بوليسي بشأن خبراء الأمم المتحدة، وذلك بشأن مجلس حقوق الإنسان كمثال رائد لنجاح إدارة أوباما في علاقاتها مع الأمم المتحدة.

سوف نعرف كيف ينظر بقية العالم إلى دور واشنطن في مجلس حقوق الإنسان في 17 نوفمبر، عندما تختار الأمم المتحدة أعضاءها في المجلس، وسوف تتضمن قائمة، على الأقل هذا العام، دول مثل الصين وكوبا والسودان.

وفي يناير القادم، وبغض النظر عن الحالة الراهنة في سوريا، سوف نعرف أيضا ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل السير في طريق العلاقات الملتزمة والاستباقية والفعالة مع الأمم المتحدة، أم ستنتهج مسارًا مختلفًا يتسم بالعداء والشح والانسحاب من الهيئة العالمية، كما يدعو إلى ذلك أمثال جون بولتون واليانا روس-ليتينن، وهم المستشارون القريبون والأصدقاء من ميت رومني. إن الحركة العالمية من أجل حقوق الإنسان في انتظار القرار.