مؤسسة بروكنجز

انهيار المساومة الاستبدادية في الشرق الأوسط

الشكاوى والهموم المصرية ليست حصرية في مصر، بل إنها تمثل مؤشرات لمشاكل تعاني منها معظم الدول غير المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علماً أن هذه الدول هي الأكثر احتمالاَ لأن تقع فيها أحداث مثل تلك التي شهدتها كل من تونس ومصر.

ما حدث في تونس ويحدث الآن في مصر ليس إلا عبارة عن فشل المساومة العربية الاستبدادية الكلاسيكية فشلاً ذريعاً، فظل الحكام العرب ـ لعقود عديدة ـ متمسكين بزمام الحكم والسلطة بفضل منح المواطنين حزمة جود وسخاء تمثلت في منافع اجتماعية (مثل التعليم المجاني، والوظائف الحكومية، والدعم المالي، وما إلى ذلك من الحقوق)، وفي مقابلها تغاضت العامة عن العديد من القيود التي فرضها هؤلاء الحكام على الحياة السياسية.

ولكن وقعت "صدمتان" منذ منتصف الثمانينات فانهارت تلك المساومة، وأولاهما هي صدمة الركود الاقتصادي التي وقعت في عقد الثمانينات وأوائل التسعينات فتضررت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جراءها تضرراً بالغاً، وتبين لهذه الدول أنها لم تعد تستطيع منح كل شخص ضمانات الوظائف والحقوق الأخرى وأن مواصلتها تنطوي على تراكم ديون باهظة للدولة، واضطرت الكثير من اقتصادات المنطقة إلى إدخال بعض التعديلات الهيكلية (على غرار ما قامت به الكثير من الاقتصادات في أمريكا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا، وشرق أوروبا في الوقت ذاته)، إلا أن هذه الإصلاحات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت ناقصة ومحدودة للغاية، ونتيجة لذلك لم تتمكن معظم دول المنطقة من توسيع قاعدة القطاع الخاص، وبالتالي لم يحالفها الحظ في الاستفادة من ظاهرة العولمة بالطريقة التي انتفعت بها الكثير من الدول في آسيا وأمريكا اللاتينية.

وكان من تبعات ذلك أن هذه الدول لم تتمكن من التحضير والإعداد لمواجهة الصدمة الثانية المتمثلة في دخول الشباب سوق العمل بأعداد كبيرة، فارتفع عدد الشباب الباحثين عن فرص العمل والوظائف في أواخر التسعينات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين نتيجة ارتفاع معدلات الخصوبة وتراجع معدلات وفيات الأطفال خلال العقود السابقة، وبينما حصل آباؤهم على المقاعد في الجامعات والوظائف في قطاعات الدولة بجانب حزمة من المنافع والحقوق تحت رعاية الدولة، إلا أن هذا الجيل الجديد لم يذق طعم أي منها، مما أدى إلى شعوره بالإحباط واليأس من النظام، وازدادت جذور هذا اليأس تأصلاً يوماً بعد يوم طوال عقد من الزمن.

والآن تحاول الكثير من حكومات المنطقة التي تراقب الأحداث في كل من تونس ومصر، أن تجرب إصلاح هذه المساومة الاستبدادية، فها هو العاهل الأردني عبد الله يبذل جهودا لإفساح بعض المجال السياسي من خلال حل مجلسه الوزاري، كما أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح يسعى لزيادة رواتب الموظفين في القطاع الحكومي والسماح بالمزيد من الأنشطة للمعارضة، كما أعلن الرئيس المصري حسني مبارك عدم رغبته في الترشح لولاية رئاسية ثانية.

إلا أن حسني مبارك تأخر في تقييم الموقف، ولعل الآخرون أيضا تأخروا.