نكسة الأسطول: نظرة من القاهرة

إذا كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما يأمل بالاحتفال بذكرى سنوية مبهجة أو حتى باعثة على الأمل لخطابه الذي ألقاه بالقاهرة حينما حاول الوصول إلى العالم الإسلامي، فإنه يعيش الآن حالة من خيبة الأمل.

حيث إن الهجوم الذي شنته قوات الكوماندوز الإسرائيلية على أسطول السفن الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة من غير المرجح أن يصب في مصلحة الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وقد كانت هناك تغطية إعلامية شاملة من الإعلام المصري؛ حيث تصدرت أخبار الهجوم الصفحات الأولى للصحف اليومية بلغة أكثر حدة من اللغة المعتادة. وقد أوردت جريد الأهرام الحكومية أن عدد القتلى قد بلغ 16 قتيلاً، بينما أوردت جريدة المصري اليوم أن عدد القتلى قد بلغ 20 قتيلاً. وقد اندلعت مظاهرات عارمة في جميع أنحاء الجمهورية، كما دعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إلى انطلاق مزيد من المظاهرات في يوم الجمعة الموافق الرابع من حزيران/يونيو.

وقد تعرضت الحكومة المصرية قبل ذلك إلى النقد لاستمرارها في إغلاق معبر رفح المؤدي إلى قطاع غزة وعدم السماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن من الوارد ألا تستاء الحكومة من رد الفعل الذي أسفر عنه هذا الحادث. وقد أدان الرئيس حسني مبارك العدوان الإسرائيلي وأعلن على الفور مساء الثلاثاء فتح معبر رفح لأجل غير مسمى وذلك لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني. وقد أربك هذا الهجوم الحكومة المصرية بشدة، ومما لا ريب فيه أنها ستنأى بنفسها بعيدًا عن ذلك قدر الإمكان. وباعتبارها إحدى الدولتين العربيتين الموقعتين على معاهدة مع إسرائيل، فلن يحظى قرار مصر بفتح معبر رفح بالاستحسان من الجانب الإسرائيلي.

وقد وصفت الصحف الصادرة يوم الثلاثاء هذا الهجوم بأنه "مجزرة"، كما أفادت بأن هناك إدانة دولية واسعة النطاق لهذا الهجوم. وعلى الرغم من ذلك، قرأ معظم الشعب الصحف الصادرة يوم الأربعاء وعلموا أن الولايات المتحدة قد أعاقت إصدار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لقرار يدين إسرائيل. وعلى الرغم من دعوة القرار لرفع الحصار عن قطاع غزة، إلا أن النص الأخير لم يتضمن سوى إدانة "الأعمال" التي أدت إلى إزهاق الأرواح. ولم ترضى الولايات المتحدة عن مجرد تخفيف قرار الإدانة، بل حاولت حسبما أوردته التقارير منع مطالبة مجلس الأمن بإجراء تحقيق دولي وقالت أنه يكفي إجراء تحقيق إسرائيلي في هذا الشأن، وهو ما يعد أمرًا يتعذر على العرب تفسيره، وينطبق عليه المثل المصري "أعطي القط مفتاح الكرار ( معمل اللبن)".

وقد كان البيان الصادر عن البيت الأبيض أكثر غموضًا من البيان الصادر عن الأمم المتحدة. وبغض النظر عن التأكيد على معرفة كافة الحقائق والملابسات، أعرب الرئيس عن أسفه لفقدان الأرواح وقلقه حيال الجرحى التي تتم معالجة الكثير منهم بالمستشفيات الإسرائيلية.

وإنه لمن الصعب وصف مدى الاستياء الذي عم القاهرة جراء هذا البيان الأخير. ويوحي اختيار المستشفيات الإسرائيلية وحدها لعلاج المصابين للقاهرة أن واشنطون إما أن تكون غير مدركة أو غير مهتمة بالمشاعر الإقليمية تجاه هذا الأمر. كما يشير هذا الخبر لمن يقرأه من العالم العربي إلى أن الرئيس الأمريكي لم يخفق في إدانة ما قامت به إسرائيل بما يُعد قرصنة وقتل ضد المدنيين فحسب، بل أثنى على إسرائيل لتقديمها الرعاية الصحية للجرحى.

ولم تنل تعليقات نائب الرئيس الأمريكي "جون بادين" قبولاً في العالم العربي. حيث أصر خلال إحدى المقابلات التليفزيونية على أن الهجوم الإسرائيلي كان "شرعيًا"، ثم تساءل قائلاً: "ما هي المشكلة الرئيسية؟"

بالنسبة للعالم العربي، المشكلة الكبيرة هي شعورهم بعجز الولايات المتحدة عن التعامل بشكل موضوعي حيال أي أمر يتعلق بإسرائيل، بالإضافة إلى حالة الممل التي أصابتهم من سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها الولايات المتحدة. وقد ينتج عن هذا الغضب العام الذي يسود العالم العربي أعمال عنف انتقامية. وبعد تصريحات الجنرال ديفيد بترايوس بأقل من ثلاثة أشهر بأن غضب العالم العربي حيال القضية الفلسطينية يحد من قوة الشراكة الأمريكية وعمقها مع الحكومات "الإقليمية" ومع الشعوب، فإن معظم العالم العربي يتساءل الآن ما إذا كان يمثل رد الفعل هذا أفضل ما في جراب إدارة الرئيس أوباما الذي وعد بإقامة علاقة جديدة مع العالم الإسلامي؟

وبالنسبة لما يهتم به العالم العربي، يبدوا أن الأمر سيسير في مساره المعتاد. إذ يبدو الرئيس أوباما ماضيًا في إهدار الأمل والثقة التي اكتسبها بعد خطابه بالقاهرة. أما بالنسبة للكثير من العالم العربي، فقد نزل الرئيس أوباما من نظرهم كرئيس تنم كلماته عن الحماسة والإلهام إلى شخص كلماته لا وزن لها. وعلى الرغم من الخطاب البليغ الذي ألقاه أوباما في محاولة لمد جسور الصلة مع العالم الإسلامي والتعهدات بالعدالة في إدارة عملية السلام في الشرق الأوسط، يرى العالم العربي أن إسرائيل ستواصل ارتكاب جرائمها مع ضمانها الإفلات من العقاب كما ستستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم لإسرائيل بغض النظر عن الانتهاكات التي ترتكبها. وبناءً على ذلك، يري جل سكان هذا الجزء من العالم أن الولايات المتحدة شريك لإسرائيل في جرائمها.

حيث تسببت تعقيدات الأمور الدبلوماسية والتي ألغت الكثير من وعود أوباما في أن يصبح الدعم الأعمى الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في هذا الحادث أمرًا يتعذر على العالم العربي تفسيره. وإذا استمرت هذه الرؤية في أذهان العالم العربي على أنها الرأي السائد، فسيؤدي ذلك بالتأكيد إلى القضاء على المصداقية الأمريكية كشريك شرعي في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية كما يمكن أن يعرض الجهود المستقبلية لإحلال السلام في الشرق الأوسط للخطر. ويتساءل العديد من العرب، كيف يمكن النظر إلى الولايات المتحدة بجدية كشريك إذا كانوا ينظرون إليها بالفعل على أنها أقل من كونها تابع لإسرائيل. ولا يصب هذا التغيير الذي طرأ على تفكير العالم العربي في الصالح الأمريكي في الوقت الذي بدأ العالم العربي فيه أيكون أكثر تفاؤلاً لإدراك الولايات المتحدة أن الاستقرار في الشرق الأوسط هو من أهم مصالحها، وأن تقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل قد لا يصب في هذه المصلحة.

هذا وقد خيبت الولايات المتحدة آمال العالم العربي التي كانوا يعقدونها عليها خلال العقود الأخيرة، لاسيما حينما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. ففي عام 2006، حينما تعرضت لبنان للقصف الإسرائيلي، وقفت الولايات المتحدة أمام إصدار قرار لوقف إطلاق النار لتعطي إسرائيل الفرصة لتقضي على حزب الله. ولكن إسرائيل فشلت في ذلك، إلا أنها قتلت أكثر من 1000 مواطن لبناني، وبدت الولايات المتحدة وكأنها شريك في قتل هؤلاء المدنيين. كما تبدو الولايات المتحدة شريكًا في جريمة قتل ما بين 1000 إلى 2000 مدني في قطاع غزة أثناء الهجوم الذي شنته على القطاع. وتبدوا الولايات المتحدة أيضًا شريكًا في اعتماد أربعة من كل خمسة مواطنين في قطاع غزة بشكل كامل على المساعدات الإنسانية جراء الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع. وتأتي الطريقة التي تعاملت بها واشنطون مع الأحداث الأخيرة في الأيام القلائل الماضية لتثبت أن الولايات المتحدة شريكًا في هذه الأحداث أيضًا.