إجراء مناسب من مجموعة العشرين يساعد دول الشرق الأوسط على النهوض بأنفسهم

تأطير القضية

في الوقت الذي تبدأ فيه الدول في التعافي من آثار ركود عالمي بسبب الأزمة المالية في عام 2008، يأمل الشرق الأوسط في الاستمرارية حيث قفز أداء اقتصاده الكلي، فسجل مستويات قياسية من النمو وخلق فرص العمل. وعلى أية حال، لكي يحدث هذا، تحتاج مجموعة العشرين إلى دعم السياسات التي تشجع على استمرار نمو الوظائف في القطاع الخاص في الشرق الأوسط فضلاً عن إصلاح القطاع التجاري الذي يعالج الاختلالات العالمية وإصلاح القطاع العام الذي يحول دون حدوث أزمات الميزانية المقبلة في المنطقة. ينتظر المملكة العربية السعودية، بصفتها الممثل الوحيد لدول المنطقة في قمة العشرين في سول، دورًا حاسمًا في طرح هذه المجالات ذات الأولوية والتي تؤثر على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن التحدي المستمر الذي تواجهه بلدان الشرق الأوسط هو ارتفاع معدلات البطالة، والذي قد بدأ في التحسن قبل بداية الأزمة المالية العالمية 2008. شهدت السنوات خلال الفترة من 2000 حتى 2008، التي سبقت الأزمة المالية، أعلى مستويات للنمو الاقتصادي المدعوم للمنطقة في السنوات الثلاثين الماضية، وصاحب هذا الازدهار ارتفاع الصادرات والاستثمارات الأجنبية بشكل كبير في المنطقة، وتقلص العجز في الميزانية، فضلاً عن الأداء القوي للاقتصاد الكلي الذي تمخض عنه انخفاض معدلات البطالة وهي نقطة الضعف السردمية في الشرق الأوسط، بدرجة غير مسبوقة في أي وقت من تاريخها الحديث. في المغرب، على سبيل المثال، انخفض معدل البطالة إلى أقل من 10% للمرة الأولى منذ 35 عامًا. ومع ذلك، وبالرغم من تحسن مستويات البطالة الإجمالية، إلا أن فترة النمو السريعة هذه للاقتصاد لم تشهد حلاً لمشاكل بطالة الشباب والتعليم في المنطقة، وقد دخلت البلدان في الركود العالمي مع كثير من العقبات الكبيرة التي كانت موجودة من قبل، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وتدهور نوعية العمل.

لقد هددت الأزمة الاقتصادية العالمية والأزمة الإقليمية، التي تسببت فيها أزمة الديون الشديدة في دبي في أواخر عام 2009، في عكس خطا التقدم الاقتصادي الكلي الذي كان مدعومًا بمرحلة الازدهار. ولحسن الحظ، لم تتأثر منطقة الشرق الأوسط كما تأثرت غيرها من المناطق بسبب الركود العالمي، وتمكنت من تجاوز الأزمة بمعدلات نمو قوية نسبيًا. ولكن، العوامل التي حالت دون حدوث ركود في المنطقة، بما في ذلك ارتفاع معدلات الإنفاق العام وعدم الاندماج مع الاقتصاد العالمي، هي ذاتها التي تعوق الآن عملية الانتعاش السريع في المنطقة. ووفقًا لأحدث التوقعات الاقتصادية الإقليمية للبنك الدولي، فإن النمو المدعوم في المنطقة أثناء مرحلة الانتعاش يعتمد على التطورات العالمية وتحسن معدل الطلب في الأسواق الناشئة. وتمتلك مجموعة العشرين المقدرة على مساعدة الشرق الأوسط أثناء مرحلة الانتعاش من خلال التوجيه والدعم السياسي في ثلاث مجالات هي: إصلاح القطاع التجاري، وإصلاح القطاع العام وتنمية القطاع الخاص.

اعتبارات سياسية

تشكل الاختلالات التجارية محورًا رئيسيًا في جدول أعمال قمة مجموعة العشرين. فإذا أراد الشرق الأوسط المضي قدمًا نحو الاستفادة من انتعاش الاقتصاد العالمي، فيجب عليه تدعيم عملية الحد من العجز الكبير في الحساب الجاري غير النفطي التي ما تزال موجودة في معظم دول المنطقة. على سبيل المثال، حتى مع وجود قطاع سياحة قوي في مصر، إلا أنه من المتوقع أن تعاني مصر من عجز في سجل الحسابات الجارية في عام 2010. وثمة سياسات محددة تُستخدم في تعزيز الموازين التجارية العالمية، كالقضاء على تزييف العملة، قد تتمكن من تحسين آفاق الميزان التجاري في المنطقة. ومع ذلك، فإن العامل الوحيد الأهم في تحسين التجارة على المدى القصير هو ضمان استقرار الاقتصاد الكلي في جنوب أوروبا. إن انخفاض صادرات الشرق الأوسط مرتبطً إلى حد كبير بانخفاض الطلب في أوروبا؛ وأية أزمة ديون مستمرة كتلك التي تشهدها حاليًا اليونان وأيرلندا، والتي تهدد أسبانيا والبرتغال، ستضر آفاق التجارة في الشرق الأوسط بشكل كبير. ومع استمرار انخفاض اليورو، سوف تحد هذه الأزمات المالية في أوروبا من القدرة التنافسية لصادرات الشرق الأوسط.

أحد المجالات الحيوية الأخرى التي تستطيع من خلالها مجموعة العشرين مساعدة الشرق الأوسط، والذي ينبغي تناوله أثناء القمة، هو إصلاح القطاع العام. تقوم العديد من دول مجموعة العشرين بإصلاح سياساتها الخاصة بسوق عمل القطاع العام بسبب الأزمات المالية. وتحاول حكومات منطقة الشرق الأوسط منذ وقت طويل توفير الحماية الاجتماعية من خلال تضخيم رواتب القطاع العام الذي يقدم وظائف تدوم مدى الحياة وأجوراً وفوائد سخية. وما يثير القلق هو أنه وفي ظل عدم وجود أية أزمة مالية، قامت حكومات الشرق الأوسط بتأجيل اتخاذ قرارات حاسمة حول إعادة هيكلة قطاعاتها العامة وإلغاء الحوافز الزائدة عن الحد التي تجعل وظائف القطاع العام هي المفضلة لشباب الخريجيين. دفعت هذه الحوافز الشباب نحو الحصول على التعليم كمجرد أوراق اعتماد مطلوبة للوظائف الحكومية بدلاً من مواصلة التعليم والفرص المتاحة لتنمية المهارات كجزء من بناء قوى عاملة فعالة ومنتجة. ولا ينبغي لدول الشرق الأوسط تجاهل الدروس المستفادة من أزمة الميزانية الحالية في العديد من بلدان مجموعة العشرين. وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية هي الممثل الوحيد الرسمي لمجموعة العشرين من منطقة الشرق الأوسط، إلا أن البلدان الأخرى في المنطقة يمكنها التعاون مع مجموعة العشرين من أجل وضع جدول أعمال واسع لإصلاح القطاع العام، ما يمكنها من تفادي أية أزمات مالية مستقبلية ناجمة عن السخاء المبالغ فيه من قبل القطاعات العامة.

أما المجال الثالث الذي يجب أن تبحثه مجموعة العشرين أثناء القمة فهو الحاجة إلى وجود قطاع خاص ديناميكي متنامي. ولكي يكون لعمليات الإصلاح المتعلقة بالتدفقات المالية الدولية والتجارة تأثير مباشر على الشرق الأوسط، يحتاج القطاع الخاص إلى أن يكون قادرًا على الاستجابة بفعالية أكبر للحوافز الدولية والمؤشرات الناتجة عن اقتصاد عالمي تنافسي. يعتمد الشرق الأوسط أيضًا في الغالب على القطاع الخاص ليكون محركًا لنمو الوظائف، بيد أن هذا لم يعد قابلاً للاستمرارية. وبالرغم من ذلك، تقف البيئة التنظيمية حاليًا عقبة أمام القطاع الخاص؛ حيث تجعل عملية توظيف عاملين جدد وتوسيع نطاق أعمالها أمراً مكلفاً جداً. كما أن القطاع الخاص أيضًا في منطقة الشرق الأوسط مقيّد بإمكانية وصول محدودة لرأس المال وتدني إمكانية الوصول إلى الأسواق. إن التوجيه والمبادرات الهادفة إلى تطوير القطاع الخاص في الشرق الأوسط قد تعمل على مساعدة شركات القطاع الخاص في توسيع أسواقها وارتباطها بأعمال أكبر حجمًا داخل السلسلة الانتاجية. وسوف يعمل هذا على خلق فرص عمل والمساعدة في تقليل اعتماد الشباب في الشرق الأوسط على الوظائف الحكومية. ونظرًا لأنه من المحتمل أن يبحث الشباب العاطلين في الشرق الأوسط في دول مثل لبنان والمغرب والجزائر عن فرص عمل في أوروبا، فإن لدي العديد من أعضاء مجموعة العشرين مصلحة في ضمان قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل كافية لهؤلاء الشباب في الشرق الأوسط. تقدم شركة SME Finance Challenge التابعة لمجموعة العشرين خطوة إيجابية في دعم تنمية القطاع الخاص في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. يجب أن تستمر مجموعة العشرين في إشراك المؤسسات الثنائية والمتعددة الأطرف في العمل معًا نحو معالجة قيود تنمية القطاع الخاص. في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، تستطيع مجموعة العشرين الاستفادة من زخم جدول أعمال المشاريع التي انطلقت بخطاب الرئيس أوباما في القاهرة ومؤتمر القمة الرئاسية لريادة الأعمال الذي عقد في الربيع الماضي للتصدي لهذه التحديات.

بنود عمل مجموعة العشرين

من الصعب معالجة المجالات الثلاثة الخاصة بإصلاح القطاع التجاري وإعادة هيكلة القطاع العام وتنمية القطاع الخاص، كما أنها تتطلب التعاون بين دول المنطقة لإيجاد حلول سياسية واقعية. حيث ينبغي للسعودية أن تأخذ زمام المبادرة في اجتماع القمة العربية، الذي تلي اجتماع قمة مجموعة العشرين، والذي سوف يجمع زعماء من المنطقة لمناقشة تدابير إصلاح السياسات من أجل توسيع فرص القطاع الخاص وتحسين التكامل التجاري الذي سوف يكون له مردود على تعزيز فرص النمو في الشرق الأوسط على المدى الطويل.